70% من بحر ليبيا لم يُمسح بعد وتركيا تتأهب للسباق على كنز الـ90 مليار برميل
بعد أقل من أسبوعين على مصادقة مجلس النواب الليبي، ومقره الشرق، على مذكرة ترسيم المناطق البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، دعا نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني الشركات التركية إلى التحرك قبل غيرها لدخول قطاع النفط والغاز في أنحاء ليبيا كافة، في وقت تتمسك اليونان ومصر وقبرص برفض المذكرة وتعتبرها مخالفة لقانون البحار.
موظفو الأونروا في غزة يتظاهرون ضد تقليص الوظائف
وقال الكوني، في تصريحات نشرتها وكالة «الأناضول» التركية الرسمية الإثنين ضمن تقرير عن فرص الشراكة الطاقية بين البلدين: «نتوقع من الشركات التركية الكبرى والمعروفة أن تؤسس حضوراً لها في مختلف أنحاء ليبيا، لا سيما في هذه المرحلة، للمساهمة في عمليات استخراج النفط والغاز وتسويقهما»، معرباً عن أمله في أن «تبادر تركيا قبل الدول الأخرى». ورأى أن المذكرة «تستند إلى القانون الدولي»، وأن مصادقة البرلمان «تفتح الباب بالكامل» أمام مشاركة تركيا في مشاريع في جميع أنحاء البلاد، داعياً إلى تسريع التنسيق في استكشاف النفط والغاز واستخراجهما، لأن الجزء الأكبر من موارد ليبيا «لا يزال غير مكتشف».
انقلاب في موقف برلمان الشرق
وكان مجلس النواب، المتحالف مع القائد العسكري خليفة حفتر، قد صوّت بالإجماع في 20 تشرين الأول (أكتوبر) على اعتماد المذكرة، وألغى في الجلسة نفسها قرارَيه الصادرين عام 2020 برفض المصادقة على مذكرتي التفاهم مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها، وفق وكالة الأنباء الليبية. وكانت المذكرة قد وُقّعت في إسطنبول في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس برئاسة فايز السراج، التي آلت لاحقاً إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وسُجّلت لدى الأمم المتحدة في الشهر التالي.
وتعني الخطوة أن المذكرة باتت تحظى بغطاء من المعسكرين الليبيين المتنافسين، بعدما ظلت لسنوات ورقة بيد طرابلس وحدها، وهو تحول يعكس تقارباً متسارعاً بين أنقرة وشرق ليبيا.
أثينا: «الجغرافيا لا تُغيَّر بقرار برلماني»
وردّت وزارة الخارجية اليونانية في اليوم نفسه بأن القرار «لا يغيّر حقيقة أن المذكرة غير قانونية وباطلة ولاغية»، مؤكدة أن تركيا وليبيا «لا تملكان سواحل متقابلة أو متجاورة» تتيح ترسيماً قانونياً، وأن المذكرة تتجاهل حق الجزر اليونانية في مناطق بحرية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وأضافت أنها أبلغت شركاءها وحلفاءها وستتخذ «كل الإجراءات المناسبة» لحماية حقوقها السيادية.
وبعد يومين، جدّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جورج جيرابتريتيس رفض البلدين للمصادقة، مشدّدين على احترام اتفاقية 1982 في ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، بحسب صحيفة «عرب نيوز». كما وصفت قبرص المذكرة بأنها «غير قانونية وباطلة ولاغية». وترتبط مصر واليونان باتفاق ترسيم جزئي وُقّع في آب (أغسطس) 2020 رداً على المذكرة التركية-الليبية.
أرقام كبيرة.. وتقديرات تحتاج إلى حذر
وتستند الحماسة التركية إلى احتياطيات ليبية مؤكدة تقدّرها منظمة «أوبك» بنحو 48.4 مليار برميل من النفط الخام و1.5 تريليون متر مكعب من الغاز، وهي الأكبر نفطياً في أفريقيا. غير أن «الأناضول» تذهب أبعد، فتنقل عن «خبراء في المؤسسة الوطنية للنفط» أن الإمكانات الإجمالية قد تبلغ 90 مليار برميل إذا شملت المسوح الزلزالية الحقول غير المكتشفة، ومعظمها بحري، وأن نحو 70 في المئة من الأراضي والمياه الليبية لم يخضع بعد لمسح شامل، وأن الغاز المحتمل يفوق ثلاثة أضعاف الاحتياطي القائم. وهذه تقديرات لم تصدر بها المؤسسة بيانات منشورة يمكن التحقق منها.
الأسطول التركي
وتعرض الوكالة قدرات أنقرة البحرية، التي تقول إنها تضم تسع وحدات: ست سفن حفر هي «فاتح» و«ياووز» و«قانوني» و«عبد الحميد خان» و«تشاغري بك» و«يلدريم»، وسفينتي المسح الزلزالي «بربروس خير الدين باشا» و«عروج ريس»، إضافة إلى منصة إنتاج الغاز العائمة «عثمان غازي». وتنسب «الأناضول» إلى بيانات هاتين السفينتين الفضل في اكتشاف حقل «صقاريا» في البحر الأسود، الأكبر في تاريخ تركيا.
وكانت «عروج ريس»، التي أثار نشرها في مياه متنازع عليها شرق المتوسط عام 2020 أزمة حادة مع اليونان، قد أنهت في حزيران (يونيو) 2025 مهمة استمرت 234 يوماً قبالة الصومال، جمعت خلالها بيانات زلزالية ثلاثية الأبعاد على مساحة 4464 كيلومتراً مربعاً في ثلاثة بلوكات بحرية، وفق وزارة الطاقة التركية.
من مذكرة 2022 إلى أول العقود
وفي 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 وقّعت حكومة الدبيبة مع أنقرة في طرابلس مذكرة للتعاون في مجال الهيدروكربونات، تقدّمها «الأناضول» مكمّلة لمذكرة 2019. لكن الوكالة لا تذكر أن محكمة في طرابلس علّقت تنفيذها مطلع 2023، وأن اليونان ومصر أعلنتا فور توقيعها رفض أي نشاط في المناطق المتنازع عليها.
أما الحضور التركي الفعلي، فجاء من بوابة جولة التراخيص التي طرحتها المؤسسة الوطنية للنفط، وهي الأولى منذ نحو عقدين. ففي شباط (فبراير) الماضي فازت مؤسسة البترول التركية (TPAO) بأول منطقتين لها: البلوك البري C3 في هضبة برقة بالشراكة مع «ريبسول» الإسبانية، والبلوك البحري O7 في المتوسط، على بعد نحو 140 كيلومتراً شمال غربي بنغازي، ضمن تحالف يضم «ريبسول» (40%، مشغلاً) و«مول» المجرية (20%)، ووُقّعت العقود في 15 حزيران (يونيو). واللافت أن البلوك O7 لا يقع ضمن المنطقة التي تشملها مذكرة 2019 المتنازع عليها.
وتبقى ترجمة الوعود التركية إلى حفر فعلي في المياه التي ترسمها المذكرة رهينة نزاع قانوني وإقليمي مفتوح، وانقسام ليبي لم تحسمه بعد مصادقة البرلمان، وشركات دولية تتحاشى عادة المياه المتنازع عليها.
