أزمة مضيق هرمز: مخاوف من شلل النقل الجوي في الصيف وارتفاع أسعار التذاكر محسوم
يعزز إعلان شركة الطيران منخفضة التكلفة “ترانسافيا” مؤخرا عن إلغاء عدة رحلات في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران بحجة ارتفاع أسعار الوقود، المخاوف من شلل في حركة النقل الجوي خلال فترة العطلات مع اقتراب فصل الصيف. وفيما من المتوقع أن تنجح أوروبا في تفادي مثل تلك الأزمة، ينبغي على المسافرين التهيؤ لدفع المزيد مقابل تذاكر سفرهم.
مع استمرار الحصار المفروض على مضيق هرمز، وتعطل إمدادات الوقود عبر هذا الممر البحري الحيوي، يبدي كُثرٌ عبر المنصات مخاوف من أزمة قد تشل حركة الطيران عبر العالم.
فوكس يهاجم تقارب المغرب وأوروبا
يدفع هذا الوضع المسافرين إلى التساؤل: هل سنضطر إلى إعادة التخطيط لعطلة الصيف عبر تفادي الرحلات الجوية التي تشهد إلغاءات وارتفاعا في أسعار التذاكر؟
تعززت هذه المخاوف بشكل خاص بعدما أعلنت بعض شركات الطيران، ولا سيما منخفضة التكلفة على غرار “ترانسافيا Transavia”، التابعة لمجموعة الخطوط الجوية الفرنسية-كيه إل إم France-KLM”، في 26 أبريل/نيسان عن أولى الإلغاءات لرحلاتها التي كانت مبرمجة خلال شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران، مبررة قرارها بارتفاع أسعار وقود الكيروسين وصعوبة استيراده من دول الخليج العربي.
لكن إلى أي حد تعتمد فرنسا والدول الأوروبية على واردات الكيروسين فعلا؟ وما هي توقعات الرحلات الجوية خلال فترة الصيف التي باتت على الأبواب؟ وخصوصا، كيف يمكن للمسافرين الاستعداد لمواجهة الاضطرابات المحتملة؟
اعتماد كبير على الواردات الخليجية
تفاقمت الهواجس حيال النقص الوشيك في الكيروسين، الوقود المشتق من تكرير النفط الخام والذي يشغل معظم محركات غالبية الطائرات بالعالم، بسبب استحالة استيراد النفط والمواد الهيدروكربونية من دول الخليج العربي منذ عدة أسابيع، بسبب الحصار المفروض على مضيق هرمز من قبل طهران، وفي المقابل الحصار المطبق على الموانىء الإيرانية من قبل الولايات المتحدة.
على سبيل المثال “تنتج فرنسا كمية كيروسين أقل بكثير مما تستهلكه. إذ توفر مصانعها نحو 3 ملايين طن سنويا فيما تستهلك 5 ملايين طن. ومن ثم، فإن مليوني طن تأتي من الخارج، خصوصا من الشرق الأوسط”، حسبما أفاد ووتر ديولف، أستاذ إدارة أعمال النقل الجوي والمدير الأكاديمي لمركز C-MAT، متخصص بالنقل البحري والجوي في بلجيكا.
لكن الدول الخليجية لا تُصدر فقط النفط الخام، بل أيضا وقود الطائرات النفاثة (Jet A-1)، الكيروسين الأكثر استخداما في قطاع الطيران، بعد تكريره. بالتالي، فاقم حصار مضيق هرمز المشكلة بشكل مزدوج، فمن جهة، وجدت دول أوروبا نفسها محرومة من النفط الخام، كما أنها باتت أيضا تفتقر للمنتجات المكررة.
بحسب بيانات وزارة الطاقة الفرنسية، كان 50 بالمئة من الكيروسين قبل اندلاع الحرب على إيران يُكرر في فرنسا، فيما يتم استيراد 20 بالمئة من نفس المادة الحيوية من الشرق الأوسط، فيما كان يتم شحن الباقي من أوروبا أو من الولايات المتحدة وآسيا.
فرنسا في وضع أفضل مقارنة ببعض جيرانها؟
يمكن القول إن الوضع في فرنسا هو نفسه تقريبا في كافة أرجاء أوروبا. فحسب تيري بروس، أستاذ معهد العلوم السياسية وخبير الطاقة “لا تنتج القارة سوى القليل من النفط، كما قامت خلال السنوات الأخيرة بخفض قدراتها في مجال التكرير”. ومن ثمة، يشرح نفس الخبير “فقد باتت (أوروبا) تعتمد بشكل متزايد على واردات المنتجات المكررة القادمة من الخارج، ما يجعلها الأكثر عرضة بشكل خاص للأزمات الدولية”.
\
لكن بروس لفت إلى أن “فرنسا على الرغم من ذلك لا تزال في وضع أفضل من بعض جيرانها”. والسبب حسبه، هو أنها تبقى أقل اعتمادا من غيرها على واردات الشرق الأوسط من الطاقة. ويضرب الخبير “مثلا بالمملكة المتحدة التي تستورد ثلثي احتياجاتها من الكيروسين” من الخارج.
اقرأ أيضاتصاعد الصراع في الشرق الأوسط يدفع شركات الطيران لإلغاء المزيد من الرحلات
بالتالي، فمن المرجح أن يتفادى مطارا باريس الرئيسيان، رواسي شارل ديغول وأورلي، أزمة النقص المتوقعة. وهو ما أكدته الأربعاء الشركة المشغلة لمجموعة المطارات هذه. إذ قالت كريستيل دي روبيلارد، مديرة الإستراتيجية في المجموعة، خلال حديثها عن أنشطة الربع الأول من هذه السنة: “يتم شحن مخزون مطار باريس عبر شبكة من خطوط الأنابيب المتصلة بشكل مباشر بمصافي التكرير ومحطة أخرى في لو-هافر”.
وتابعت دي روبيلارد: “مصدر معظم النفط الخام الذي يغذي هذه البنية التحتية هو أمريكا الشمالية. ومن ثمة، فبالمقارنة مع غيرنا، نحن في وضع أحسن”. لكن في حال حدوث نقص، من المتوقع إذا أن الأزمة ستؤثر بشكل أساسي على المطارات الثانوية المتبقية في فرنسا.
استعدادات لمواجهة أزمة قطاع الطيران
تحسبًا لنفاذ احتياطاتها، تحتفظ فرنسا بمخزون استراتيجي من الوقود والكيروسين يكفي لمدة شهرين، وفق تصريحات مود بريغون المتحدثة باسم الحكومة والوزيرة المنتدبة المكلفة الطاقة، الثلاثاء عبر إذاعة فرانس إنفو. كما لفت وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور إلى توفر حوالي مليوني برميل من نفس المادة.
ناهيك عن ذلك، تتوفر المطارات الفرنسية على مخزونات تجارية تكفي تقريبًا لعشرة أيام تشغيلية، إلى جانب النفط الخام الموجود في الاحتياطيات الاستراتيجية والذي من الممكن أن يتم تحويله إلى كيروسين.
كما أكدت الحكومة الفرنسية: “في الوقت الحالي… لا يوجد إطلاقًا أي خطر لحدوث نقص في الكيروسين خلال الأسابيع المقبلة”.
في هذا السياق، توقع ووتر ديولف: “بفضل كل هذه العوامل، من المرجح إنقاذ الموسم الصيفي”، مضيفًا: “لكن التساؤل يبقى: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ إذا تواصل النزاع [الحرب في الشرق الأوسط – ملاحظة المحرر]، فإن هذه الإشكالية قد تطرأ ربما خلال الخريف، في أكتوبر/تشرين الأول أو نوفمبر/تشرين الثاني”.
بمواجهة هذا التهديد، تستعد السلطات في فرنسا وباقي أنحاد أوروبا. وللتصدي لأي طارئ، دعا وزير الاقتصاد الفرنسي شركات الطيران إلى اجتماع في 6 مايو/أيار لتبادل وجهات النظر حول إدارة القطاع خلال موسم الصيف، الذي يشهد كل عام الذروة في الرحلات الجوية.
من جانبه، كشف الاتحاد الأوروبي في 22 أبريل/نيسان عن حزمة من التدابير لمواجهة الأزمة، لعل أبرزها: المراقبة المعززة لإمداداته من مادة الكيروسين، رفع مستوى الإنتاج في مصافي التكرير إلى أقصى حد، ناهيك عن استعدادات أوروبية لتحرك جماعي “قد يكون ضروريًا للحفاظ على عمل السوق الموحدة وضمان استمرارية الإمدادات”، بحسب ما أعلنت المفوضية الأوروبية.
ارتفاع أسعار تذاكر الطيران حتى قبل الأزمة
على الرغم كل الاستعدادات، يقول أستاذ معهد العلوم السياسية وخبير الطاقة تيري بروس: “لكن ينبغي التمييز بين الوفرة والسعر”، ويشرح مخاوفه بقوله: “لا يعني عدم وجود نقص (في الوقود) أن أسعار تذاكر الطيران لن ترتفع بشكل حاد”.
ويضيف بروس: “أدى النزاع في الشرق الأوسط، إلى تضاعف سعر الكيروسين أكثر من مرتين. في الواقع، تشكل تكلفة الوقود 40 بالمئة من سعر التذكرة”. لكن بالنسبة لبعض شركات الطيران، وخاصة منخفضة التكلفة، التي تتبنى نموذج نشاط يعتمد على إشغال أقصى للطائرات وهوامش ربح منخفضة، قد يكون لهذا الوضع أثر كبير ومباشر على استقرارها المالي.
وبالتالي، تجد شركات مثل ترانسافيا نفسها مجبرة على إعادة النظر في عروضها عبر رفع الأسعار أو تقليص عدد الرحلات على الخطوط التي تدر أرباحا أقل.
اقرأ أيضاالحرب في الشرق الأوسط: إلغاء أكثر من 21300 رحلة في مطارات رئيسية بالخليج
يلخص تيري بروس الوضع بقوله: “المسألة لا تتعلق فقط بنقص الوقود أكثر من كونها تتعلق بالعائدات الاقتصادية”. يضيف أيضا أنه “مع ارتفاع أسعار الكيروسين، ليس أمام شركة مثل ترانسافيا خيار سوى رفع سعر التذكرة. إذا أصبحت الأسعار غير معقولة بالنسبة للمسافرين، وتوقفوا عن الدفع، فإن إبقاء الطائرات على المدارج تصبح في نهاية المطاف أكثر ربحية”.
أمام هذا الوضع، خلص مكتب المتحدثة باسم الحكومة إلى أن “شركات الطيران التي تلغي رحلاتها تفعل ذلك لأسباب اقتصادية”. وأضاف أن الأمر يتعلق “برحلات غير مربحة بسبب ارتفاع أسعار الوقود”.
ما هي حقوق المسافرين الذين يتم إلغاء رحلاتهم؟
ماذا سيفعل المسافرون الذي يتخوفون من إلغاء تذاكرهم؟ في الواقع، ليس هناك الكثير من الخيارات. إذ يحق لشركات الطيران إلغاء الرحلة طالما أبلغت المسافرين ما لا يقل عن 14 يوما قبل موعدها.
هل من داع للقلق؟ في كافة الأحوال، يجب على شركات الطيران أن تضمن إما تعويض كافة المبلغ، أو أن تقترح على المسافرين تعديلا على مسار الرحلة بشكل مجاني.
على الرغم من ذلك، تبقى شركات الطيران غير ملزمة قانونيا بتقديم أي تعويض مالي للزبائن في حال وجود “ظروف استثنائية”، مثل الوضع الحالي المتعلق بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
