د. ماك شرقاوي يكتب : تحول استراتيجي في الموقف الأوروبي من الإخوان

2

تداعيات حرب غزة والتوترات الجيوسياسية: عملت حرب غزة الأخيرة على تسريع وتيرة التشدد الأوروبي، فقد أدت التوترات الإقليمية والمظاهرات الداعمة لحركة حماس إلى تسليط الحكومات الأوروبية الضوء مجدداً على الارتباطات الفكرية والمالية بين حماس وجماعة الإخوان، مما أدى إلى حظر أنشطة وتجميد أصول عدة كيانات بتهم تتعلق بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب، وزاد من وتيرة التعبئة الرقمية وجرائم الكراهية.

د.ماك شرقاوي يكتب : العوامل التي دفعت عددا من الدول الأوروبية إلى تبني سياسات أكثر تشددًا تجاه جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة؟

كما ان صعود اليمين والضغوط الانتخابية: شكل صعود أحزاب اليمين والشعبوية ضغطاً سياسياً كبيراً، مما نقل قضية الإخوان من ملفات الأمن الداخلي إلى قلب التنافس السياسي والانتخابي. وهذا الصعود يجبر أحزاب الوسط الحاكمة على تبني خطابات وإجراءات أكثر تشدداً وحزماً لتبديد مخاوف الشارع وتجنب خسارة الناخبين لصالح اليمين المتطرف وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى انتقال الحكومات الأوروبية من الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى تأسيس بنية تشريعية وقانونية دائمة (مثل قوانين محاربة “الانفصالية” في فرنسا ومراجعات “التطرف” في بريطانيا)، تهدف إلى تجفيف منابع التمويل الخارجي وتفكيك الشبكات المدنية التابعة للجماعة

هل نحن أمام تحول استراتيجي في الموقف الأوروبي من الإخوان، أم مجرد إجراءات مرتبطة باعتبارات أمنية مؤقتة؟
نحن أمام تحول استراتيجي طويل الأمد في الموقف الأوروبي تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وليس مجرد إجراءات أمنية مؤقتة أو استجابة ظرفية لحدث أمني بعينه
تؤكد المصادر أن هذا التحول الجذري يتجلى في عدة ممارسات تؤسس لبنية دائمة للتعامل مع هذه التنظيمات، وتشمل الآتي:

1- تأسيس بنية تشريعية وقانونية دائمة: لم تعد الإجراءات الحالية تقتصر على الملاحقات الأمنية المعتادة أو الاعتماد فقط على قوانين مكافحة الإرهاب العنيف، بل امتدت لتشمل تغييرات تشريعية وقانونية عميقة [114، 436]. ويتضح هذا التحول من خلال خطوات ملموسة مثل سن فرنسا لقانون محاربة “الانفصالية” (عام 2021)، وإصدار بريطانيا لتعريف جديد وموسع للتطرف (عام 2024)، والتوجه الألماني الصارم للحد من تأثير البيئات الإسلاموية (عام 2024). هذه التدابير لا تنسجم مع فكرة الإجراء المؤقت، بل تهدف إلى تسريع إيقاع العقوبات وإنشاء إطار قانوني مستدام لتقييد هذه الجماعات

2- تفكيك البنية المؤسسية وتجفيف التمويل: انتقلت الحكومات الأوروبية إلى سياسة المحاصرة المالية والإدارية طويلة المدى. يتم الآن التركيز على تجفيف منابع الدعم الخارجي عبر رقابة صارمة على التحويلات البنكية، والمطالبة بالشفافية الكاملة لمصادر تمويل المنظمات، وتجميد الأصول، وإغلاق الجمعيات الخيرية المشتبه فيها، إلى جانب ذلك، يتم سحب التراخيص والإعفاءات الضريبية من المنظمات المدنية التابعة للجماعة، وإنهاء الاعتراف الرسمي بها لقطع الطريق أمام تأثيرها على القرارات الحكومة.

3- إعادة تعريف التهديد (مواجهة التطرف القانوني والاختراق): كما سبقت الإشارة، لعبت أجهزة الاستخبارات الأوروبية دوراً في توجيه هذا التحول الاستراتيجي عبر إعادة تعريف طبيعة الخطر. فبدلاً من التركيز حصرياً على الإرهاب، بات التركيز ينصب على مكافحة “التطرف القانوني” والاختراق البطيء للمؤسسات (مثل المدارس والمساجد والجمعيات) الذي يهدف إلى نشر أيديولوجيات تتعارض مع القيم الدستورية، مما استدعى استجابة استراتيجية مستدامة وليست ردود فعل أمنية لحظية.

4- خلق بيئة طاردة للقيادات وتشجيع “إسلام أوروبي” بديل: تعمل السياسات الأوروبية الجديدة بشكل استراتيجي على تغيير البيئة الحاضنة للجاليات المسلمة، عبر تشجيع مبادرات تتبنى “إسلاماً أوروبياً” محلياً مستقلاً تماماً عن التنظيمات العابرة للحدود كالإخوان. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت أوروبا بيئة طاردة لقيادات الجماعة من خلال تزايد احتمالات رفض اللجوء السياسي، والتوجه نحو سحب الإقامات والجنسيات ممن يثبت تورطهم في التحريض، مما يجبر هذه القيادات على البحث عن ملاذات جديدة ومستقرة خارج القارة الأوروبية.

د. ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي