عندما تسقط الأقنعة السياسية.. قراءة هادئة في مشهد ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.. بقلم :شحاته زكريا

0

تتجدد المشاهد السياسية في منطقتنا وخارجها باستمرار لكن يبقى الأثر الفعلي مرتبطا دوما بقدرتنا على قراءة الأحداث بموضوعية وبعيدا عن العاطفة أو الانفعال اللحظي. ومع كل استحقاق انتخابي يجرى في دولة الاحتلال يرتفع صخب التوقعات وتبدأ قراءات متسرعة تتحدث عن تغييرات جذرية وسقوط وشيك لشخصيات سياسية بارزة وكأن مسار الصراع يمكن أن يتبدل لمجرد تغير في وجوه الحكام أو تبدل طفيف في مقاعد البرلمان إن التعاطي مع الشأن السياسي الإسرائيلي يتطلب وعيا دقيقا بطبيعة البنية الحاكمة هناك والتي وإن شهدت استقطابا حادا وانقسامات عميقة بين اليمين ومعارضيه إلا أنها تظل متوافقة تماما على الثوابت الاستراتيجية للعدوان والردع والسيطرة. فالحديث عن هزيمة منكرة لهذا الطرف أو ذاك غالبا ما يصطدم بالواقع على الأرض حيث تؤكد نتائج الفرز وحجم المشاركة الشعبية الواسعة أن المزاج العام يميل نحو التشدد وأن لغة القوة والتطرف تظل هي السائدة بغض النظر عن الأسماء المطروحة في الواجهة من هنا تبدو قراءة المشهد من منظور المكسب والخسارة السريعة قاصرة عن إدراك الجوهر. فعندما ترتفع نسب المشاركة وتبرز كتل برلمانية جديدة فإن قراءة هذا التحرك تتطلب فهم انعكاساته الحقيقية على الداخل الإسرائيلي نفسه وما يفرضه من تعقيدات إضافية قد تزيد من صلابة التوجهات اليمينية وتضيق الخناق أكثر على أي صوت عاقل أو معتدل إن وجد. إن الرهان على انقسام الخصوم أو سقوط رموز معينة لإحداث تحول سلمي جوهره لصالح قضايا المنطقة هو رهان غير دقيق فتاريخ المؤسسة السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال يؤكد أن الاختلافات تقتصر غالبا على إدارة التفاصيل والأولويات بينما تتطابق الأهداف الكبرى المتعلقة بالهيمنة والردع وعلى الصعيد العربي ينبغي التعامل مع هذه التحولات بعين الحكمة والواقعية دون انجراف خلف الفرح المؤقت أو التفاؤل المفرط بنتائج صناديق اقتراع تخص مجتمعا محكوما بهاجس الأمن المطلق والتطرف. إن بناء المستقبل وقوة الأوطان لا ترتبط بما تسفر عنه الانتخابات هناك بل ترتبط حصريا بمدى صلابتنا الداخلية ووعينا الاستراتيجي وقدرتنا على توحيد الصفوف والاعتماد على الذات في مواجهة التحديات المتسارعة. اللحظة الراهنة تفرض قراءة هادئة وعميقة لكل التفاصيل بعيدا عن أوهام التمنيات وشعارات النصر السهل. فالتاريخ والواقع يعلماننا أن الأمم الحية هي التي تقرأ خصومها بدقة وتدرك أن تغيير موازين القوى لا يصنعه سوى العمل الجاد والوعي المستنير وبناء اقتصاد ومجتمع قادر على الصمود في وجه كافة الاحتمالات.