غزة والسودان والبحر الأحمر.. إدارة الحريق وبناء الاستقرار.. بقلم: شحاته زكريا

0

تفرض الجغرافيا السياسية أحكامها القاسية دون اعتبار للرغبات أو النوايا فالأزمات المشتعلة في الإقليم لم تعد تقتصر على حدودها الجغرافية الضيقة بل تشابكت خيوطها لترسم مشهدا أمنيا وإنسانيا معقدا. عند النظر إلى ما يجري اليوم في قطاع غزة وإلى الصراع الممتد في السودان وما يشهده حوض البحر الأحمر ومضيق باب المندب يتضح أننا لا نتعامل مع جبهات منفصلة بل مع ساحة استراتيجية واحدة يغذي فيها كل اضطراب الآخر، وتنعكس ارتداداته المباشرة على الأمن القومي للمنطقة ككل وعلى مصر في قلب هذا الحزام المتوتر.. في غزة تجاوز المشهد فكرة إدارة جولة عسكرية جديدة أو السعي وراء تهدئة مؤقتة تشتري وقتا مستقطعا للمتحاربين. الدمار غير المسبوق في البنية التحتية والنزوح القسري المتكرر وضعا المنظومة الإنسانية أمام اختبار وجودي. المشكلة الحقيقية هنا لم تعد في شروط وقف إطلاق النار فحسب بل في مفهوم اليوم التالي الغائب فإذا لم يقترن أي حل ميداني بمسار سياسي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ويوفر شبكة أمان لإعادة الإعمار والتعافي المبكر ستظل الهدن مجرد فواصل زمنية بين حروب متلاحقة وستبقى المنطقة برمتها تدفع كلفة الفراغ الذي يملأه التشدد والفوضى وعلى مسافة غير بعيدة جنوبا يعيش السودان مأساة ذات طابع أشد فتكا بالدولة ومؤسساتها. الصراع المستمر على مدار أكثر من ثلاث سنوات فكك النسيج الاجتماعي، وشرد الملايين، وعطّل الإنتاج، وترك الدولة في مواجهة شبح الانقسام الداخلي. لا يمثل السودان في الحسابات الاستراتيجية مجرد شقيق تربطه بنا أواصر التاريخ بل هو عمق استراتيجي متصل بأمن البحر الأحمر وحوض النيل معا. وغياب تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدة مؤسسات الدولة وجيشها الوطني لن يؤدي فقط إلى نزوح الملايين نحو دول الجوار بل سيفتح الباب على مصراعيه لتدخلات إقليمية ودولية تحول السودان إلى بؤرة استنزاف طويلة الأمد.. يكتمل هذا القوس الملتهب في البحر الأحمر الممر المائي الذي ظل لعقود شريانا حيويا لحركة التجارة العالمية وتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد. لقد أثبتت التوترات والتهديدات العسكرية المتصاعدة عند مضيق باب المندب أن أمن الممرات البحرية لم يعد معزولا عن الصراعات البرية بل هو انعكاس مباشر لها. عسكرة هذا الممر الحرج واستقدام القوى البحرية الدولية لا يقدمان حلا جذريا بل يفرضان تحديات إضافية على الدول المشاطئة للبحر الأحمر ويكبدان حركة الملاحة والتجارة وفي مقدمتها قناة السويس خسائر اقتصادية مباشرة تستوجب مقاربة جماعية تضع أمن الملاحة بيد الدول المعنية أولا وتنزع فتيل التصعيد من منبعه في خضم هذه التقاطعات المعقدة تجد الدبلوماسية المصرية نفسها أمام مهمة شاقة تتجاوز مجرد لعب دور الوسيط أو العمل بمنطق إطفاء الحرائق العاجلة. التحرك المصري ينطلق من مبدأ راسخ حماية فكرة الدولة الوطنية ومنع انهيار مؤسساتها انطلاقا من إدراك عميق بأن الفراغ السياسي والمؤسسي هو البيئة الخصبة لانتشار الميليشيات ونفوذ القوى العابرة للحدود. الدفاع عن بقاء الدولة في الخرطوم والتمسك بالحقوق الفلسطينية المشروعة والإعمار في غزة والتأكيد على حوكمة أمن البحر الأحمر عبر دوله المشاطئة كلها أضلاع لرؤية واحدة تهدف إلى حماية الإقليم من الانزلاق إلى حالة اللا دولة إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة سياسية من كافة الأطراف الإقليمية والدولية. لم يعد يكفي إصدار البيانات الدبلوماسية أو الاكتفاء بالمعونات الإغاثية كمسكنات لأزمات بنيوية عميقة. ما يحتاجه الإقليم هو تسويات سياسية واقعية وشاملة تخاطب جذور النزاعات وتوفر بدائل تنموية تمنح الشعوب أملا في الاستقرار.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط إيقاف أصوات المدافع بل قطع الطريق على تحول هذه الأزمات المتتالية إلى واقع دائم يُفرَض على المنطقة لأن السلام الهش الذي يولد من رحم التسويات المؤجلة يظل دائما أقرب إلى الاستسلام للفوضى منه إلى بناء مستقبل آمن ومستدام.