ما بين عالم ينتهي وآخر لم يبدأ بعد.. بقلم: شحاته زكريا
كتب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي يوما عبارته الشهيرة من وراء قضبان سجنه القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد وفي هذه المنطقة المعتمة تظهر الوحوش. تبدو هذه الكلمات اليوم وكأنها كتبت لوصف اللحظة الراهنة بحذافيرها. العالم كله يقف على عتبة زمنية لزجة وغامضة نظام دولي استقر لما يقارب ثمانية عقود يتشقق أمام أعيننا وقواعد اشتباك سياسية واقتصادية عهدناها تفقد صلاحيتها يومًا بعد يوم بينما لم تتشكل بعد الملامح النهائية للنظام البديل. إنها مرحلة البرزخ الدولي حيث تصبح التوقعات عبئا على أصحابها وتتحول المسلمات القديمة إلى شباك صيد تقع فيها الدول التي اعتادت الكسل الاستراتيجي انظر إلى الاقتصاد العالمي لقد تصدعت أسطورة العولمة المطلقة التي بشرت بسوق واحدة بلا حواجز. تعود سياسات الحماية التجارية من أوسع الأبواب
وتتحول العملات الوطنية وسلاسل التوريد إلى خنادق حربية بديلة. لم يعد الصراع محصورا في أسواق المال أو أروقة البنوك المركزية بل انتقل إلى من يملك أشباه الموصلات ومصادر الطاقة النظيفة والتقليدية ومعادن الأرض النادرة. وفي خضم هذا الارتباك يقتحم الذكاء الاصطناعي المشهد الدولي لا كأداة رفاهية بل كسلاح جيوسياسي فائق الخطورة يعيد ترتيب تراتبية الأمم فمن يملك الخوارزميات ومراكز البيانات الفائقة اليوم يملك حق صياغة الوعي الإنساني واحتكار القرار العسكري والاقتصادي غدًا. الآلة تتطور بوتيرة تفوق قدرة الفلسفة والتشريع على استيعابها ليجد الإنسان المعاصر نفسه يتفاوض مع تقنية قد تسلبه غدا جوهر فاعليته وعلى وقع هذا التحول الشامل
يشتعل إقليمنا في الشرق الأوسط كعادته ليكون الساحة الأكثر التهابا في دفع فواتير الانتقال. لم تعد الحروب مجرد نزاعات حدودية تقليدية بل تحولت إلى صراعات وجودية تتقاطع فيها خطوط الغاز بممرات التجارة وتتدافع فيها القوى الدولية والإقليمية لإعادة ترسيم خرائط النفوذ قبل أن يجف حبر النظام الجديد. تسقط نظريات السلام الاقتصادي الباردة أمام اشتعال الأرض وتثبت الجغرافيا مرة بعد أخرى أن أي محاولة للقفز على حقوق الشعوب أو هندسة المنطقة بغياب ركائزها التاريخية إنما هي بناء فوق رمال متحركة سرعان ما تبتلع أصحابه في قلب هذا الإعصار الهائج تقف مصر مدركة بدقة حراجة التوقيت وخطورة المنطقة الرمادية.
لقد علمتنا دروس التاريخ أن الأوطان التي تنتظر حتى ينجلي غبار الصراعات الكبرى تصحو غالبا لتجد موائد الغنائم قد قسمت بغيابها. من هنا جاء التحرك المصري في السنوات الأخيرة خروجا عن النمطية المعتادة لا ارتماء في أحضان محور بعينه ولا استعداء لمعسكر على حساب آخر. تبني القاهرة شبكة علاقاتها كمن يسير بحذر وسط حقل ألغام شراكات استراتيجية متوازنة مع قوى الشرق الصاعدة مع الحفاظ على جسور التفاهم والتعاون الحيوي مع الغرب والتحرك الواعي داخل التكتلات الاقتصادية الجديدة بالتوازي مع تعزيز القوة العسكرية الشاملة
لتكون سياجا يحمي الحدود ويدعم هيبة القرار إن إدراك القاهرة لطبيعة المرحلة انعكس بوضوح في تحويل الجغرافيا إلى حصن اقتصادي وسياسي صلب. فبينما يعاد رسم ممرات النقل العالمية وتتقاطع مشاريع الربط القاري حصنت مصر موقعها بتطوير بنيتها التحتية وموانئها وخطوط طاقتها حتى بات من المستحيل الالتفاف حول دورها أو الاستغناء عن ثقلها كصمام أمان للبحرين الأبيض والأحمر وبوابة القارة الأفريقية. ليست المعركة اليوم معركة استعراض للقوة بل معركة بناء المنعة الذاتية أن تصمد جبهتك الداخلية وتؤمن غذاءك وطاقتك وتحمي حدودك الممتدة وسط إقليم مشتعل من كل الجهات ثم تفرض نفسك شريكا حتميا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة إن العالم الذي عرفناه يلفظ أنفاسه الأخيرة لكنه لن يرحل بهدوء والعالم الجديد الذي يتشكل في الأرحام لن يولد بالخطب الدبلوماسية الناعمة بل بالموازين الصلبة على الأرض. في هذه اللحظة الفارقة بين غياب شمسٍ وظهور أخرى، لا تملك الدول ترف التردد أو الانكفاء على الذات. والذين يظنون أن العواصف يمكن تجنبها بإغلاق النوافذ واهمون فالعواصف الكبرى تقتلع البيوت الهشة من جذورها ولا ينجو منها إلا الشجر الضارب في عمق الأرض. ومصر بأصالتها التاريخية وعمقها الحضاري تعرف كيف تقرأ الريح وتدرك أن البقاء في صدارة المشهد ليس خيارًا ترفيهيا بل هو قدرها ومسؤوليتها أمام أمتها وشعبها لتعبر هذه الفجوة الزمنية وهي أكثر صلابة ومهابة ثابتة القدم في عالم يموج بالتحولات.
