ترامب يرد على نوبل للسلام بعقوبات تهز المحكمة الجنائية الدولية
في يوم واحد، تحولت جائزة نوبل للسلام من تكريم إلى ساحة اشتباك سياسي. فقد منحت لجنة نوبل جائزة هذا العام لنافي بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، فرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، بهجوم لاذع على النرويج، وفرضت إدارته عقوبات على المحكمة نفسها بعد ساعات من الإعلان، لتضع واشنطن على مسار تصادمي دبلوماسي مع حلفائها الأوروبيين.
وقال ترامب خلال تجمع انتخابي في سيراكيوز بنيويورك “هذه وصمة عار لا تمحى على جبين النرويج ومن اتخذوا هذا القرار المشين والمحرج”. ووصف بيلاي بأنها “شخص مجهول”، قائلا “لم أسمع بها قط. ولا أحد يعرفها”.
إيران تعرض الوساطة لاحتواء التصعيد
وأضاف أن الجائزة “فقدت مصداقيتها إلى الأبد على يد حفنة من أصحاب الأفكار المتطرفة المعادين للديمقراطية”، وختم “ولن ننسى ذلك يا نرويج”.
وسرد نزاعات قال إنه ساهم في حلها، بينها الكوريتان واليابان وكوريا الشمالية والصين وتايوان، دون تقديم دليل. ويعبر ترامب كل عام خلال رئاسته عن خيبة أمله لعدم فوزه بالجائزة، ما يمنح هجومه الأخير بعدا شخصيا يتجاوز الاعتراض على اسم الفائزة.
بيلاي قاضية من جنوب أفريقيا، شغلت منصب قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008، وفازت بالجائزة تقديرًا لعملها في مجال العدالة الجنائية الدولية. وأشرفت على تقرير للأمم المتحدة خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وهو استنتاج ينسب إلى التقرير لا إلى جهة قضائية.
وقالت لجنة نوبل إنها أراد “توجيه تذكير” في وقت “يتعرض فيه قضاة ومؤسسات القانون الدولي لهجمات سياسية”، مضيفة أن وجود نظام قانوني دولي يُحاسب فيه مجرمو الحرب شرط أساسي لعالم يسوده السلام. وتبدو رسالة اللجنة موجهة إلى جهات بعينها، وإن لم تسمّها.
وبعد ساعات من إعلان الجائزة، فرضت إدارة ترامب عقوبات على المحكمة نفسها. وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان “لن يسمح الرئيس ترامب أبدًا للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أميركيين”، مضيفا أن واشنطن ستحظر المعاملات مع «هذه المحكمة المارقة”، وتقطع عنها مواردها وتشل قدرتها على العمل.
وأعلنت وزارة الخزانة فترة سماح أولية مدتها ستة أشهر، مع استثناءات تشمل الاتصالات والبرمجيات والمعاشات التقاعدية والمعاملات المتعلقة بالمحتجزين. وقال روبيو إن العقوبات وُضعت لتتيح للمحكمة والدول الأعضاء فرصة لمعالجة مخاوف واشنطن، وإنها ستُعدّل إذا لم تُلبَّ المطالب.
ويذهب الإجراء أبعد من عقوبات سابقة، إذ قد يصل إلى معاقبة الشركات التي تقدم خدمات للمحكمة، وهو ما يمثل هجوما غير مسبوق على مؤسسة تأسست بموجب معاهدة دولية.
ونددت المحكمة بهذه الخطوة ووصفتها بأنها “اعتداء على سيادة القانون وعلى أسس النظام القانوني الدولي”، ودعت الدول الأعضاء البالغ عددها 125 إلى اتخاذ إجراءات للدفاع عنها.
وقالت المحكمة في بيان “لا يمكن للمحكمة أن تقف وحدها. فمصيرها الآن يقع أيضا في أيدي الدول التي أنشأتها… لا يتعلق الأمر فقط بالدفاع عن مؤسسة واحدة، بل بحماية النظام الدولي القائم على سيادة القانون. والتاريخ سيحكم ?على هذه اللحظة”.
أما كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فرأت أن فترة الستة أشهر ” توفر فرصة للحوار”، لكنها أكدت أن للاتحاد “خيارات” لضمان استمرار عمل المحكمة. ودعا وزير الخارجية البلجيكي إلى تفعيل قانون الحماية الأوروبي لحماية المحكمة.
تأسست المحكمة عام 2002 لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ووقعت واشنطن في البداية على نظام روما الأساسي لكنها لم تصدق عليه. وفرضت إدارة ترامب الأولى عقوبات على مسؤولين فيها ألغاها بايدن، ثم أعلنت عقوبات جديدة بعد أيام من عودة ترامب في يناير 2025.
وتشعر واشنطن بالغضب من مذكرتي اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومن تحقيق سابق في تصرفات جنود أميركيين في أفغانستان، قالت المحكمة إنها أخرت ترتيبه. وأشار روبيو إلى دعوات من خبراء خارجيين لمقاضاة أفراد من القوات الأميركية، ولم يتخذ مسؤولو المحكمة خطوات نحو ذلك.
وجهت المحكمة اتهامات علنية لأكثر من 70 شخصًا، بينهم نتنياهو وقادة من حماس، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس السوداني السابق عمر البشير، ومعمر القذافي. وحظيت في الماضي بدعم قوي من دول أعضاء بينها حلفاء رئيسيون لواشنطن، ويقع مقرها في هولندا العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي.
وكانت المحكمة قد استعدت منذ أشهر، فحولت برمجيات مكاتبها من “مايكروسوفت” إلى بدائل مفتوحة المصدر، واتخذت ترتيبات جديدة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي.
يمنح تزامن الجائزة والعقوبات الأزمة بعدا رمزيا حادا، فقد بدا كأن واشنطن ترد على التكريم بضرب المؤسسة التي ارتبط بها اسم الفائزة.
وتكمن خطورة الإجراء في أن العقوبات الأميركية تمنع عادة الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا من التعامل مع الجهة المعاقَبة، فتُغلق المصارف الحسابات، وتنهي شركات التأمين التغطيات، وتوقف شركات البرمجيات التعاون. وهذا ما يفسر أن مسؤولي المحكمة أمضوا أشهرًا في الاستعداد لهذا السيناريو.
ويخدم خطاب ترامب جمهورا انتخابيا يرى في المؤسسات الدولية خصما، لكنه يضع واشنطن في مواجهة حلفاء أوروبيين تستضيف إحداها، هولندا، المحكمة. وفي المقابل، تحاول واشنطن عبر فترة السماح وربط التعديل بتلبية المطالب أن تُبقي باب المساومة مفتوحا، وهو ما يحوّل العقوبات من ضربة نهائية إلى أداة ضغط.
ويبرز كذلك البعد الرمزي لموقع النرويج، فاستهداف البلد المضيف للجنة الجائزة يعني أن الخلاف انتقل من اسم الفائزة إلى شرعية الجائزة نفسها، وهو ما يضع أوسلو في موقف دبلوماسي حساس.
حين تُعاقَب المحكمة في اليوم ذاته الذي تُكرّم فيه قاضيتها، تتحول العدالة الدولية إلى ساحة اختبار لحدود القوة الأميركية، ومدى استعداد الحلفاء الأوروبيين لحماية مؤسسة أنشأوها بأنفسهم، قبل أن تنتهي مهلة الأشهر الستة وتتضح كلفة الصمت
يبقى السؤال: هل تتحرك أوروبا فعلا لحماية المحكمة، أم تكتفي بالحوار؟ وبين خطاب ترامب ومهلة الأشهر الستة، ستتحدد قدرة المحكمة على مواصلة عملها، وحدود استعداد الأوروبيين لدفع كلفة الدفاع عنها.
