السودان ليس أزمة على الحدود إنه اختبار لمستقبل الأمن القومي المصري ..بقلم :شحاته زكريا
حين يكتب البعض عن السودان باعتباره مجرد جارٍ يمر بظرف طارئ أو ملف أمني عابر على حدودنا الجنوبية فإنهم لا يقرأون حركة التاريخ ولا يفقهون جغرافية الدم والوجود التي تربط بين ضفتي الوادي منذ أزل المدى. السودان بالنسبة لمصر لم يكن يوما مجرد دولة أجنبية نقيم معها علاقات دبلوماسية تقليدية تحكمها البروتوكولات الباردة والخطابات الدبلوماسية المعلبة السودان هو الامتداد الاستراتيجي الأصيل، والعمق الحيوي الذي إن نبض بالحياة انتعشت مصر وإن هزه الاضطراب وعبث به العابثون امتد الارتعاش سريعاً ليطرق أبواب القاهرة بلا استئذان.
لذلك فإن التعامل مع الأزمة السودانية الراهنة بمنطق إدارة الأزمة التقليدي أو الاكتفاء باحتواء التداعيات الإنسانية المؤقتة على المعابر الحدودية هو قصر نظر سياسي واستراتيجي كارثي. ما يحدث اليوم في الخرطوم ودارفور ومختلف ربوع السودان ليس مجرد اقتتال داخلي مؤقت على مقاعد السلطة بين جنرالات بل هو عملية هدم ممنهج لدولة مركزية تاريخية وإعادة رسم خبيثة لخريطة الجوار الجنوبي لمصر بطريقة تضع أمننا القومي المباشر والوجودي على محك غير مسبوق. في العقل السياسي المصري الواعي هناك حقيقة راسخة كالجبال لا تقبل القسمة على اثنين ولا الهوادة: أمن مصر القومي يبدأ حقيقة من حيث تنتهي حدود مياه النيل ومن استقرار كل شبر على امتداد هذا الوادي التاريخي الواحد. فعندما تنهار مؤسسات الدولة الوطنية في السودان وتتفكك منظومته الأمنية والعسكرية وتتحول أرضه الشاسعة إلى مسرح مفتوح للجماعات المسلحة والمرتزقة والتدخلات الإقليمية والدولية المتصارعة فإننا لا نكون أمام جيران يعانون ونتعاطف معهم فحسب بل أمام حزام أمني مشتعل ومفخخ يحيط بخاصرتنا الرخوة ويتربص بمستقبلنا. التهديدات هنا ليست افتراضية تحتمل التخمين أو التريث. نحن نتحدث عن خطر تدفق المليارات من قطع السلاح غير المنضبطة وانتشار شبكات الجريمة المنظمة وعصابات تهريب البشر فضلا عن ورقة المياه التي تظل دائما سيفا مسلطا على رأس شريان الحياة الوحيد للمصريين. أي فراغ سلطة حقيقي في الخرطوم معناه ببساطة ظهور بيئات حاضنة لقوى إقليمية ودولية تناصب مصر العداء التاريخي وتسعى لمحاصرتها وتطويقها من العمق الإفريقي الذي طالما كان سندا تاريخيا وحصنا منيعا لمصر.لكن الأزمة بقدر ما تحمل في طياتها من مخاطر وجودية تمثل في الوقت ذاته اختبارا حقيقيا وصعبا لقدرة الدبلوماسية المصرية وعقيدتها الاستراتيجية على الانتقال الشجاع من رد الفعل الباهت إلى استباق الأحداث وصناعة الحلول. طوال سنوات المحنة الماضية التزمت القاهرة بضبط النفس إلى أقصى درجاته ورعت مئات آلاف الأشقاء السودانيين الذين لجأوا إلى بلدهم الثاني مصر دون تفرقة ولم تتعامل يوما باستعلاء أو انتهازية مع محنة الجار بل ظلت الصوت العاقل الوحيد الذي يرفض تقسيم السودان أو تفتيت جيشه الوطني ومؤسساته السيادية.ومع ذلك فإن الدبلوماسية الإنسانية وحدها لا تكفي في عالم قاسي لا يرحم الضعفاء ولا يحترم سوى أوراق القوة الحقيقية على الأرض. حماية الأمن القومي المصري في هذا الاختبار التاريخي الفارق تتطلب رؤية استباقية خشنة وناعمة في آن واحد. ناعمة وعميقة عبر تكثيف الجهود السياسية لتوحيد الرؤى العربية والإفريقية للضغط الجاد نحو وقف إطلاق النار ومنع تفكك الدولة وخشنة وحاسمة في ردع أي محاولات لتهديد المصالح المصرية الحيوية على الحدود أو العبث بملف المياه والأمن الاستراتيجي للدولة. السودان اليوم ليس مجرد نشرة أخبار نتفقدها صباحا ومساء لنعرف من تقدم ومن تراجع السودان هو المرآة الصادقة التي ترى مصر فيها شكل مستقبلها الإقليمي والدولي. إذا تركنا هذا البلد الشقيق يسقط في فخ التمزق والوصاية الخارجية المقيتة فإننا ندفع الثمن غاليا من أمننا واستقرارنا وتنمية أجيالنا القادمة التي تستحق وطناً آمناً في محيط مستقر.الامتحان بالغ الصعوبة والتحديات المتكاثرة على حدودنا الجنوبية لا تحتمل أنصاف الحلول ولا لغة البيانات الدبلوماسية الباهتة التي لا تغني ولا تسمن من جوع. مصر بتاريخها وثقلها الاستراتيجي ووعي شعبها تدرك جيدا أن السودان القوي الموحد هو الحصن الحقيقي لمصر وأن أي شروخ في جدار الجرانيت السوداني هي بالضرورة شروخ في قلب أمن القاهرة. إنها معركة بقاء واستراتيجية وجود وليست مجرد أزمة عابرة ستمر بمرور الأيام إن لم نصنع لها مخرجا يحفظ الدولة ووحدتها وسلامة ترابها.
