إسرائيل وإيران.. إلى أين يقود التصعيد المنطقة؟ بقلم: شحاته زكريا
لم يعد التصعيد بين إسرائيل وإيران مجرد توتر سياسي عابر أو حرب تصريحات تدار عبر الشاشات والمنابر الدبلوماسية بل أصبح أحد أخطر الملفات القادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالكامل. فالمنطقة التي تعيش أصلا فوق طبقات متراكمة من الأزمات والصراعات تبدو اليوم وكأنها تقف على حافة انفجار كبير قد تتجاوز آثاره حدود الجغرافيا والسياسة إلى الاقتصاد العالمي والأمن الدولي معا.. الخطير في هذا التصعيد أنه لا يشبه المواجهات التقليدية القديمة فالصراع بين الطرفين بات متعدد الأبعاد عسكريا وأمنيا واستخباراتيا واقتصاديا وإعلاميا بل وحتى تكنولوجيا. وكل طرف يحاول فرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق الكامل إلى حرب شاملة لكن التاريخ يخبرنا دائما أن الحروب الكبرى كثيرا ما تبدأ من حسابات خاطئة أو لحظة انفلات غير محسوبة.. إسرائيل تنظر إلى المشروع الإيراني باعتباره تهديدا استراتيجيا طويل المدى خاصة مع النفوذ المتزايد لطهران في عدد من دول المنطقة وامتلاكها أدوات تأثير ممتدة عبر حلفاء إقليميين وشبكات نفوذ معقدة. وفي المقابل ترى إيران أن إسرائيل تمثل رأس الحربة للمشروع الغربي في الشرق الأوسط وأن مواجهتها جزء من معركة النفوذ والسيادة والتوازن الإقليمي.. لكن الحقيقة الأعمق أن المنطقة كلها أصبحت رهينة لهذا الصراع المفتوح فكل تصعيد بين الطرفين ينعكس فورا على استقرار دول الجوار وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وحتى المزاج الشعبي العربي الذي يعيش أصلا حالة إنهاك ممتدة بفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.. الأكثر تعقيدا أن الصراع لم يعد محصورا داخل حدود الدولتين بل تمدد إلى ساحات متعددة في المنطقة. فهناك ساحات مشتعلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة وأطراف إقليمية ودولية تتحرك وفق حسابات شديدة التعقيد ما يجعل أي مواجهة محتملة قابلة للتحول إلى صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه سريعا.
وفي ظل هذا المشهد تبدو الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا لا يمكن تجاهله. فواشنطن تدرك أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط سيؤثر على الاقتصاد العالمي ويهدد استقرار حلفائها ويزيد من تعقيد المشهد الدولي في وقت تواجه فيه بالفعل تحديات كبرى مع الصين وروسيا. لذلك تحاول الإدارة الأمريكية السير فوق خيط دقيق بين دعم إسرائيل ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة.. لكن الأزمة لا تتعلق فقط بالسياسة والعسكر بل تمتد إلى الجانب الإنساني أيضا. فشعوب المنطقة هي التي تدفع دائما الثمن الأكبر لأي تصعيد مزيد من الخوف ومزيد من الضغوط الاقتصادية ومزيد من القلق على مستقبل يبدو غامضا ومفتوحا على احتمالات صعبة.. كما أن استمرار التوتر ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي خاصة في ملف الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية. فالعالم لم يتعافَ بالكامل بعد من آثار الأزمات الاقتصادية والحروب الأخيرة وأي اضطراب واسع في الشرق الأوسط قد يدفع بأسعار النفط والطاقة إلى مستويات أكثر تعقيدا ويضيف أعباء جديدة على الاقتصادات الهشة حول العالم.
السؤال الأكثر أهمية هنا: هل يتجه الطرفان فعلا إلى مواجهة شاملة؟
حتى الآن يبدو أن كلا الطرفين يدرك تكلفة الحرب الكبرى. إسرائيل تعرف أن أي مواجهة مفتوحة ستكون مختلفة وأكثر تعقيدا من الحروب التقليدية السابقة وإيران تدرك كذلك أن الانزلاق إلى حرب مباشرة واسعة قد يحمل مخاطر هائلة على الداخل الإيراني وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
لذلك قد تستمر سياسة حافة الهاوية لفترة حيث يسعى كل طرف إلى توجيه رسائل قوة وردع دون الوصول إلى الانفجار الكامل. لكن المشكلة أن هذا النوع من الصراعات يحمل دائما احتمالات الخطأ وسوء التقدير وهو ما يجعل المنطقة تعيش حالة توتر دائم قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وفي خضم هذا المشهد تبدو الحاجة ملحة إلى صوت العقل والدبلوماسية والحلول السياسية لأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مزيدا من الحرائق. شعوب المنطقة تحتاج إلى التنمية والاستقرار والعمل والتعليم لا إلى حروب جديدة تستنزف ما تبقى من مقدراتها.. لقد دفعت المنطقة ثمنا باهظا لعقود طويلة من الصراعات وربما حان الوقت لإدراك أن القوة وحدها لا تصنع سلاما دائما وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالتفوق العسكري بل أيضا ببناء توازنات عادلة ومساحات للحوار تقلل من احتمالات الانفجار.. وفي النهاية يبقى السؤال معلقًا فوق خريطة الشرق الأوسط كلها: هل ينجح العالم في احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة أكبر أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الفوضى تعيد رسم خرائط النفوذ والنار معا؟ الإجابة لم تعد تخص إسرائيل وإيران وحدهما بل تخص مستقبل منطقة كاملة تقف اليوم بين خيارين: إما التهدئة وبناء مسار مختلف أو الدخول في دوامة جديدة قد يكون الخروج منها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
