بين الحقيقة والانطباع ..بقلم:شحاته زكريا
ليست كل معركة تُخاض بالسلاح ولا كل هزيمة تقاس بما يفقد من أرض أو مال. فهناك معارك أخطر تدور في صمت داخل العقول ويكون سلاحها كلمة، أو صورة، أو عنوانا عابرا، أو مقطعا لا يتجاوز ثوان معدودة. وفي هذه المعارك لا ينتصر دائما من يملك الحقيقة بل من ينجح أولا في صناعة الانطباع.. لقد دخل العالم عصرا جديدا لم تعد فيه الحقيقة وحدها كافية. فالمعلومة لم تعد تصل إلى الناس مجردة وإنما تصل محمولة على مشاعر ومصحوبة بتفسير ومغلفة بصورة ذهنية تسبقها إلى العقل. وبين الحقيقة كما هي والانطباع الذي يتشكل عنها قد تضيع الحدود ويختلط اليقين بالظن حتى يصبح الرأي العام أسيرا لما رآه أولا لا لما ثبت لاحقا.
ولعل أخطر ما في عصرنا أن سرعة انتشار الخبر أصبحت تفوق سرعة التحقق منه. فوسائل الاتصال الحديثة جعلت كل هاتف غرفة أخبار وكل مستخدم ناشرا وكل متابع قاضيا يصدر حكمه قبل أن تكتمل أوراق القضية. وما إن تنتشر رواية ما حتى تبدأ في تكوين قناعات قد يصعب تغييرها حتى لو ظهرت الأدلة التي تنقضها.. ولذلك لم تعد معارك اليوم تدور فقط حول من يملك القوة وإنما حول من يملك الرواية. فالرواية الأولى تصنع الانطباع والانطباع يصنع الموقف والموقف قد يرسم قرارا سياسيا أو يهدم سمعة إنسان أو يغير اتجاه مجتمع بأكمله.. وليس هذا جديدا في التاريخ لكن الجديد هو سرعة التأثير واتساع مداه. فما كان يحتاج إلى شهور حتى ينتشر أصبح اليوم ينتقل إلى ملايين البشر في دقائق. وما كان يحتاج إلى مؤسسات إعلامية ضخمة بات يكفيه حساب مجهول على منصة رقمية ليصبح حديث الناس.. إن الانطباع بطبيعته لا يحب الانتظار. إنه يتغذى على السرعة ويزدهر في أوقات الغموض ويجد بيئة مثالية حين تغيب المعلومة الدقيقة. أما الحقيقة فهي أكثر هدوءا وأكثر صبرا تحتاج إلى دليل وإلى مراجعة وإلى تدقيق. ولهذا تبدو أحيانا أبطأ لكنها أكثر قدرة على البقاء.
ومن هنا لا يصبح الخطر في وجود معلومات مضللة فحسب بل في استعداد الناس لتصديق ما يوافق مشاعرهم حتى لو خالف الوقائع. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما يؤكد قناعاته ويتجنب ما يهزها. ولهذا قد يتحول الانطباع إلى يقين زائف لا لأنه صحيح بل لأنه مريح.. وهذه ليست مشكلة إعلامية فقط بل قضية ثقافية وحضارية. فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والانطباع تصبح أكثر عرضة للشائعات وأكثر قابلية للاستقطاب وأقل قدرة على اتخاذ قرارات رشيدة. وعندما يغيب التفكير النقدي يصبح الرأي العام سهل التوجيه وتتحول العواطف إلى بديل عن الحقائق.. ولذلك فإن بناء الوعي لم يعد ترفا فكريا بل أصبح ضرورة وطنية. فالوعي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التوقف قبل التصديق وعلى السؤال قبل الحكم وعلى البحث قبل النشر. وهو ما تحتاجه المجتمعات التي تريد أن تحافظ على تماسكها في زمن تتزاحم فيه الرسائل وتتعدد فيه مصادر التأثير.. إن الإعلام الحقيقي لا يقاس بعدد الأخبار التي ينشرها وإنما بقدرته على حماية ثقة الناس. فالسبق الصحفي قيمة لكنه يفقد معناه إذا جاء على حساب الدقة. والإثارة قد تحقق انتشارا سريعا لكنها لا تصنع مصداقية تدوم. أما الصحافة التي تحترم عقل القارئ فهي التي تدرك أن دورها ليس أن تزيد الضجيج بل أن تكشف ما يختبئ خلفه.. وفي المقابل يتحمل المتلقي مسؤولية لا تقل أهمية. فكل مشاركة لخبر غير موثق وكل تعليق قائم على الظن وكل حكم متسرع قد يضيف حجرا جديدا إلى جدار الوهم الذي يحجب الحقيقة. وما أكثر ما دفع أفراد ومؤسسات بل ودول ثمن انطباعات خاطئة استقرت في الأذهان قبل أن تظهر الوقائع.. لقد علمتنا التجارب أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تختفي. وأن الانطباعات المصنوعة بعناية قد تلمع لبعض الوقت لكنها سرعان ما تتآكل أمام صلابة الواقع. فالتاريخ لا يكتب بما يتداوله الناس في لحظة انفعال وإنما بما تثبته الأيام بعد أن يهدأ الغبار.. وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ والشركات على الأسواق والمنصات على جذب الانتباه أصبح الوعي هو خط الدفاع الأول. فمن يملك عقلا ناقدا يصعب تضليله. ومن يحترم الدليل لا تقوده الشائعة. ومن يدرك أن لكل قصة أكثر من زاوية يكون أقرب إلى الحقيقة من غيره.. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا كل يوم ليس: ماذا سمعت؟ ولا ماذا قالوا؟ بل: ما الحقيقة؟ فالأمم التي تبني أحكامها على الوقائع تبني مستقبلها على أسس راسخة. أما الأمم التي تستسلم للانطباعات فإنها قد تستيقظ يوما لتكتشف أنها كانت تحارب أو تصفق أو تخاف… لأسباب لم تكن موجودة أصلا.. وبين الحقيقة والانطباع تبقى المسافة قصيرة في الزمن لكنها بعيدة في النتائج. وفي هذه المسافة يتحدد وعي الإنسان وتختبر مهنية الإعلام وتقاس حكمة المجتمعات. أما الحقيقة فمهما تأخرت تظل تملك ما لا يملكه الانطباع أبدا… القدرة على البقاء.
