إيران بلا مرشد مرئي.. والحرس الثوري يملأ الفراغ

0

لا صورة، لا تسجيل مصور، ولا حتى رسالة صوتية. منذ ستة أشهر، لم يرَ الإيرانيون مرشدهم الأعلى مجتبى خامنئي أو يسمعوا صوته، على الرغم من أن بلادهم تخوض حرباً أنهكت اقتصادها ووضعت قيادتها أمام قرارات مصيرية تمس إيران والمنطقة بأكملها.

وبحسب تحقيق موسع لوكالة «رويترز»، تقول السلطات الإيرانية إن خامنئي، الذي أصيب بجروح بالغة في الغارات الأميركية الإسرائيلية يوم 28 فبراير (شباط)، لا يزال يدير الدولة من خلف الكواليس ويتخذ القرارات الكبرى. لكن غيابه الكامل فتح الباب لسؤال أكثر حدة: هل يحكم مجتبى خامنئي إيران فعلاً، أم أن مؤسسات النظام تدير البلاد باسمه؟

ترامب: مضيق هرمز «إقليم أمريكي جديد»

وقال أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: «لم يعد السؤال ما إذا كان مجتبى على قيد الحياة، بل ما إذا كانت إيران لا يزال لها زعيم أعلى يؤدي مهامه فعلياً».

ستة أشهر
تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى بعد أسبوع من اندلاع الحرب ومقتل والده علي خامنئي في الغارات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

ومنذ تعيينه، لم يظهر مجتبى مرة واحدة أمام الكاميرات. واقتصرت رسائله إلى الإيرانيين على بيانات مكتوبة تلاها مذيعون في نشرات الأخبار، من دون بث أي تسجيل بصوته أو نشر صورة حديثة تثبت مشاركته في إدارة البلاد.

وزاد غيابه عن مراسم تشييع والده، التي امتدت أسبوعاً الشهر الماضي، من الشكوك بشأن حالته الصحية وقدرته على أداء مهماته، خصوصاً أن منصب المرشد الأعلى يمنحه الكلمة الفصل في السياسة الخارجية والقرارات العسكرية والأمنية والنووية.

وجه مشوّه
نقلت «رويترز» عن مسؤولين ومصادر رفيعة داخل إيران أن خامنئي أصيب بجروح خطرة خلال الساعات الأولى من الحرب، وأن إصاباته أدت إلى تشوه ملامح وجهه.

وقال شخص قريب من دائرته الضيقة إن صحة المرشد تشهد تحسناً ملحوظاً، وإنه لا يزال سريع البديهة ويشارك في صنع القرارات.

لكن المصادر قالت إن السلطات تمتنع عن نشر صوره أو تفاصيل مكان وجوده خشية تسرب معلومات تساعد الولايات المتحدة أو إسرائيل على تحديد موقعه واستهدافه.

ولم تقدم السلطات الإيرانية، في المقابل، دليلاً علنياً مستقلاً يثبت وضعه الصحي الراهن أو طبيعة مشاركته اليومية في الحكم.

سبع ساعات
استندت الرواية الرسمية إلى تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي أعلن في 10 أغسطس (آب) أنه عقد اجتماعاً مع خامنئي استمر سبع ساعات، وناقش معه ملفات البلاد والحرب والاقتصاد.

وقالت مصادر رفيعة تواصلت معها «رويترز» إن المرشد يعقد اجتماعات متكررة مع عدد محدود من كبار المسؤولين، ويتلقى التقارير الأساسية، ويصدر القرار النهائي في القضايا الكبرى.

وأوضح مسؤول إيراني كبير أن دائرة ضيقة فقط تلتقي خامنئي شخصياً، وأن التكتم المحيط به جزء من ترتيبات أمنية صارمة تهدف إلى منع كشف مكانه.

وقال مسؤول آخر إن استمرار الخدمات العامة، ووحدة السياسة الخارجية، واتساق القرارات الرسمية، كلها مؤشرات، في رأيه، على أن المرشد لا يزال ممسكاً بزمام السلطة.

غير أن الاجتماع الذي تحدث عنه بزشكيان لم ترافقه صورة أو مادة مصورة، وظل الإعلان عنه قائماً على شهادة الرئيس وحدها.

شكوك الموالين
لم تعد التساؤلات مقتصرة على معارضي النظام أو الإيرانيين المطالبين بإصلاحات سياسية، بل تسللت إلى بعض قواعد الجمهورية الإسلامية الأكثر ولاءً لها.

وقال عنصر في قوات الباسيج بمدينة قم لـ«رويترز»: «نحتاج إلى أن نسمع صوت قائدنا، أو أن نرى أي إشارة تدل على أنه يقود البلاد ويتولى زمام الأمور، حتى يمنحنا ذلك مزيداً من الثقة».

وأكد العنصر، الذي طلب عدم كشف هويته لحساسية الموضوع، أنه يعتقد أن خامنئي لا يزال يتخذ القرارات الرئيسية، لكنه رأى أن عدم نشر صورة واحدة له يضعف الروح المعنوية ولا يخدم إيران.

أما شهروخ، وهو رجل أعمال إصلاحي من طهران، فطرح السؤال بصورة أكثر مباشرة: «كيف لنا أن نعرف أن مجتبى لم يُقتل؟».

وأضاف: «ليس من المنطقي ألا تكون هناك ولو إشارة واحدة تثبت أنه لا يزال على قيد الحياة، ناهيك عن دليل على مشاركته في صنع القرار».

الحرس يتقدم
صمد نظام الحكم الإيراني أمام مقتل المرشد السابق وغياب خليفته وإقصاء عدد من كبار القادة العسكريين، من دون انهيار مؤسساته أو انقطاع تسلسل القيادة السياسية والعسكرية.

لكن «رويترز» نقلت عن مصادر رفيعة أن الحرس الثوري، الذي أدى دوراً رئيسياً في إيصال مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد، وسّع نفوذه منذ بداية الحرب وأصبح أكثر حضوراً في إدارة الدولة وصياغة قراراتها الاستراتيجية.

وأعيد تنظيم هرم السلطة حول المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم كبار قادة الحرس إلى جانب شخصيات سياسية بارزة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

وفوّض خامنئي، وفق المصادر، صلاحيات واسعة في الإدارة اليومية إلى هذه المجموعة، مع احتفاظه، بحسب الرواية الرسمية، بحق إصدار القرار الأخير في الملفات المصيرية.

قرارات باسمه
يخلق غياب المرشد مشكلة تتجاوز صورته الشخصية؛ إذ يسمح للفصائل المتنافسة داخل النظام بالقول إنها تعرف موقفه أو تنفذ إرادته، من دون أن يستطيع الإيرانيون سماع هذا الموقف منه مباشرة.

وقال فاتانكا إن أي اتفاق حقيقي مع واشنطن يحتاج إلى موافقة واضحة لا لبس فيها من مجتبى خامنئي، وكذلك أي قرار بمواصلة حرب طويلة ومكلفة مع الولايات المتحدة.

وأضاف أن الغياب الممتد للمرشد أوجد وضعاً خطراً تستطيع فيه مختلف الأجنحة الادعاء بأنها تعرف ما يريده.

وكان مجتبى يعمل بعيداً عن الأضواء حتى قبل توليه المنصب، حين أدى دوراً مؤثراً بوصفه أحد أبرز مساعدي والده. إلا أن الأسلوب نفسه أصبح أكثر إثارة للتساؤلات بعد انتقاله إلى أعلى موقع ديني وسياسي وعسكري في البلاد.

اقتصاد الحرب
تخرج إيران من الأشهر الستة الأولى للحرب منهكة، لكنها لا تزال تحتفظ بهيكل سياسي متماسك وقدرات عسكرية تقول «رويترز» إنها تمكنها من تعطيل إمدادات الطاقة العالمية وتهديد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.

في المقابل، يرزح اقتصادها تحت كلفة العمليات العسكرية والحصار المفروض على صادرات النفط، بينما سجل الريال انهياراً متسارعاً وازدادت الضغوط المعيشية على الإيرانيين.

وتخشى السلطات عودة الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في يناير (كانون الثاني)، وقمعتها قوات الأمن في حملة أسفرت، وفق التقرير، عن مقتل آلاف المتظاهرين.

وأعادت القيادة الإيرانية ترتيب أولوياتها حول ثلاثة أهداف: حماية بقاء الدولة، واستعادة الردع العسكري، ومنع الانهيار الاقتصادي من إشعال اضطرابات داخلية جديدة.

وبينما تتخذ طهران قرارات تمس الحرب ومضيق هرمز وأمن دول الخليج وأسواق الطاقة، يبقى صاحب الكلمة النهائية المفترض غائباً عن شعبه وعن العالم، ولا يصل منه سوى نصوص مكتوبة وأخبار اجتماعات مغلقة.