أصالة نصري تغنّي الوطن… وسوريا تردّ بالوفاء.. بقلم:عايده حسن عيد
تابعنا بالأمس حفل الفنانة الكبيرة، أيقونة الشرق أصالة نصري، في دمشق، وكأننا كنا ننتظر أن تُجمع كل الأفراح المؤجلة في ليلة واحدة… وهذا تمامًا ما فعلته أصالة.
لم تكن ليلة عادية، ولم يكن مجرد حفل غنائي بعد غياب طويل …كان مشهدًا تختلط فيه الموسيقى بالذاكرة، والصوت بالوطن، والحنين بالعودة.
بعد نحو خمسة عشر عامًا من الغياب عن المسارح السورية، وقفت أصالة من جديد أمام جمهور بلدها، لتفتح بصوتها نافذة واسعة على سنوات طويلة من الاشتياق.
كانت دمشق بالأمس تستقبل ابنتها، وكان صوت أصالة يعود إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
وكأنها تقول لنا، دون أن تحتاج إلى الكثير من الكلام:
كنتُ أحمل في حنجرتي كل تلك السنوات، واليوم أعود لأغنيها أمامكم.
نعم، إنها أصالة نصري، ولِكل امرئ من اسمه نصيب… والأمس كان ترجمة الاسم بأدق تفاصيله… عادت الأصالة إلى المكان الذي تنتمي إليه، وعاد الصوت الذي ظل حاضرًا في وجدان السوريين حتى وهو بعيد عن خشبة وطنه.
لم يكن السوريون وحدهم ينتظرون هذا المشهد…كان كثير من العرب يترقبون هذه العودة، ويتابعون تفاصيلها عبر الشاشات، لأن بعض الفنانين لا تكون علاقتهم بجمهورهم مجرد علاقة بين مطربة ومستمع، بل تتحول أصواتهم مع الوقت إلى جزء من ذاكرة الناس ووجدانهم.
ولهذا بدت دموع الأمس مختلفة…
لم تكن دموع حزن، بقدر ما كانت دموع انتماء.
دموع إنسان يرى وطنه في أغنية، ويرى ذاكرته في صوت، ويرى سنوات طويلة من الغياب تختصرها لحظة واحدة على المسرح.
أصالة لم تعد إلى سوريا لتغني لنفسها، بل حملت معها سوريا بكل تنوعها. فقد ارتبط مشروعها الفني السوري الجديد بـ14 أغنية تستحضر ألوانًا ولهجات وموروثات من مناطق سورية مختلفة، في محاولة فنية للاحتفاء بتنوع البلاد ووحدتها الثقافية.
وهنا تكمن قيمة المشهد الحقيقي…
أن تغني لمحافظة، فتستحضر أهلها. أن تستدعي لهجة، فتوقظ ذاكرة أصحابها. أن تنقل لونًا من التراث، فتقول لأهله: أنتم حاضرون في وجداننا.
لقد استطاعت أصالة، طوال سنوات غيابها، أن تلغي المسافات بصوتها…وحين حضرت، بدا وكأن المسافة لم تكن موجودة أصلًا.
غابت عن المسرح السوري، لكنها لم تغب عن ذاكرة السوريين.
بالأمس كان المشهد أكبر من أغنية، وأكبر من تصفيق، وأكبر حتى من نجاح حفل.
كان رسالة تقول إن الفن يستطيع أن يرمم شيئًا من الذاكرة، وأن الموسيقى تستطيع أن تجمع ما تفرّق من المشاعر، وأن الوطن حين يسكن القلب لا يحتاج إلى تذكرة عودة كي يبقى حاضرًا.
وأصالة نفسها لخّصت جانبًا من هذه العلاقة حين تحدثت عن سنوات وجودها في مصر، مؤكدة أنها لم تكن تشعر بالغربة لأنها كانت في وطن أيضًا، لكنها عادت إلى سوريا من أجل السوريين الذين ارتبطت بهم عاطفيًا ووجدانيًا.
وهكذا كانت عودتها مختلفة… لم تكن عودة مطربة إلى مسرح فحسب، بل عودة ابنة إلى بيتها.
ولذلك ربما كان أكثر ما لفتني في هذه الليلة أن الجمهور لم يكن يستمع إلى أصالة فقط، بل كان يستعيد معها شيئًا من نفسه.
يستعيد أغنية، وذكرى، ومدينة، ولهجة، ووجوهًا غابت، وأيامًا مضت، وحلمًا ظل معلقًا في مكان ما من القلب.
مبارك للفن عودة أصالة إلى مسارح وطنها.
ومبارك لسوريا هذه الليلة التي كان فيها الصوت السوري حاضرًا بكل قوته وتنوعه وشموخه وأصالته.
أما أصالة، فقد أثبتت مرة أخرى أن بعض الأصوات لا تكون مجرد أصوات…
إنها أوطان صغيرة نحملها معنا أينما ذهبنا.
وحين تعود إلى أرضها، لا تعود وحدها…
تعود معها الذاكرة، والحنين، والحكاية، وكل ما بقي في القلب من ضوء.
