ابتسام مصطفى تكتب : عندما تصبح المعرفة أمانة

0

ليس كل الغنى يُقاس بحجم الحسابات البنكية، ولا كل الفقر يُقاس بخلو الجيوب من المال. فهناك غنيّ المال، وهناك غنيّ الفكر والمعرفة، ولكلٍ منهما مسؤولية وحساب.

العلم أمانة… والمعرفة أمانة.

كلاهما هبة من الله عز وجل، تمامًا كما أن المال رزق من عنده سبحانه. وكما يُسأل الإنسان يوم القيامة عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ فإنه يُسأل أيضًا عن علمه ومعرفته: ماذا فعل بهما؟ وهل نفع بهما الناس أم احتكرهما لنفسه؟

كثيرون يظنون أن المسؤولية تقع فقط على أصحاب الثروات، بينما الحقيقة أن صاحب المعرفة يحمل أحيانًا عبئًا أكبر. فالغني بالمال يستطيع أن يطعم جائعًا أو يكسو محتاجًا، أما الغني بالفكر فيستطيع أن يغيّر حياة أمة كاملة، وأن يفتح أبوابًا للرزق والأمل والمعرفة أمام آلاف البشر.

لذلك كان حساب صاحب العلم مضاعفًا؛ لأنه مُنح نعمة ليست متاحة للجميع. لقد أعطاه الله عقلًا قادرًا على الفهم والتحليل والإبداع، فإذا بخل بما لديه من معرفة، أو كتم علمًا يمكن أن ينفع الناس، فقد خان الأمانة التي استودعه الله إياها.

إن نقل المعرفة ليس تفضلًا من العالم على الناس، بل هو واجب أخلاقي وإنساني وديني. فالفكرة التي تبقى حبيسة العقل تموت، أما الفكرة التي تُشارك الآخرين فتنمو وتزدهر وتتحول إلى أثر باقٍ.

ولهذا فإن أعظم الصدقات ليست دائمًا مالًا يُدفع، بل قد تكون فكرة تُلهم، أو خبرة تُنقل، أو علمًا يُعلَّم، أو مهارة تُمنح لمن يحتاجها. فالعلم يصنع إنسانًا قادرًا على الاعتماد على نفسه، ويخلق منتجًا بدلًا من مستهلك، وصانعًا بدلًا من متلقٍ.

إن إبداع الفكر يصنع صيادًا يستطيع أن يصطاد كل يوم، بينما العطاء المؤقت قد يداوي جوع يوم واحد فقط. والعقل الذي يُنير الطريق للآخرين يترك أثرًا أبقى من أي ثروة مادية.

في زمن تتدفق فيه المعلومات وتتسارع فيه المعرفة، لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟

بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا فعلت بما تعرف؟

فالعلم الذي لا يُنفع به الناس يتحول إلى عبء على صاحبه، أما المعرفة التي تُنشر وتُثمر خيرًا في حياة الآخرين، فهي من أعظم القربات وأبقى الأعمال أثرًا.

لذلك تذكّر دائمًا: إذا رزقك الله مالًا فأحسن إنفاقه، وإذا رزقك علمًا فأحسن نشره، لأن كليهما أمانة، وكليهما سيكون موضع سؤال يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.