ويبقى السؤال… من يملك قرار الغد؟..بقلم :شحاته زكريا

0

ليست كل الحروب تخاض بالسلاح ولا كل الانتصارات تُحقق فوق ميادين القتال. فهناك معارك أكثر هدوءا لكنها أشد تأثيرا تدار خلف أبواب غرف القرار وعلى طاولات الاقتصاد وفي معامل التكنولوجيا وبين خطوط أنابيب الطاقة وداخل شبكات المعلومات. إنها معركة المستقبل… المعركة التي لا تبحث فيها الدول عن نصر مؤقت بل عن حق امتلاك قرار الغد…العالم يقف اليوم أمام مرحلة مختلفة تماما عما عرفه خلال العقود الماضية. فما كان بالأمس مسلمات أصبح اليوم محل مراجعة وما كان يُعد تحالفا دائما تحول إلى شراكة قابلة للتغيير وفقًا لحسابات المصالح. وبينما ينشغل البعض بمتابعة تفاصيل الأحداث اليومية تدور في الخلفية عملية أكبر وأعمق لإعادة تشكيل النظام الدولي ليس فقط من حيث موازين القوة بل من حيث من يمتلك القدرة على صياغة المستقبل.. إن السؤال الحقيقي لم يعد: من الأقوى؟ بل أصبح: من يملك قرار الغد؟ فامتلاك القرار لا يعني امتلاك السلاح فقط لأن التاريخ أثبت أن القوة العسكرية تستطيع أن تحسم معركة لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني نفوذا دائما. القرار يولد عندما تجتمع عناصر متعددة اقتصاد قوي وعلم متقدم ومؤسسات مستقرة ورؤية سياسية واضحة وقدرة على قراءة المتغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات. لقد دخل العالم عصرا جديدا تتراجع فيه أهمية الحدود التقليدية أمام حدود أخرى أكثر تعقيدا. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الأرض بل على العقول وعلى التكنولوجيا وعلى البيانات وعلى الأسواق وعلى سلاسل الإمداد وعلى مصادر الطاقة وحتى على الفضاء. إنها أدوات جديدة لصناعة النفوذ لا تقل تأثيرا عن الجيوش والأساطيل.. ولعل ما شهدته السنوات الأخيرة من أزمات متلاحقة بدءا من اضطرابات سلاسل التوريد ومرورا بالتقلبات الاقتصادية وصولا إلى الصراعات الإقليمية والدولية كشف حقيقة مهمة وهي أن الدولة التي لا تمتلك قرارها الاقتصادي يصعب عليها أن تمتلك قرارها السياسي. فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وإنما بالقدرة على الإنتاج وتأمين الاحتياجات وتنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد مهما كانت قوة هذا الطرف.

 

وفي المقابل لم تعد الدبلوماسية مجرد تبادل للزيارات أو إصدار البيانات المشتركة بل أصبحت إدارة دقيقة للمصالح وبناءً مستمرا لجسور الثقة وتحقيقا لتوازن يضمن حماية الأمن القومي دون الانزلاق إلى صراعات تستنزف الجميع. فالدول الناجحة هي التي تعرف متى تتحرك وكيف تتحرك ولأي هدف تتحرك..

 

 

وفي خضم هذا المشهد لم يعد الإعلام مجرد ناقل للخبر بل أصبح فاعلا في تشكيل الإدراك العام كما أصبحت التكنولوجيا عنصرا حاسما في موازين القوة. فمن يملك المعرفة ويستثمر في البحث العلمي ويقود الابتكار يملك قدرة أكبر على التأثير في القرارات الدولية. ولذلك تتسابق الدول على تطوير الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني لأنها تدرك أن معركة المستقبل لن تحسم فقط بما يُنتج في المصانع بل بما يبتكر في العقول..

 

ومن هنا فإن الحديث عن المستقبل لا ينفصل عن الاستثمار في الإنسان. فالثروة الحقيقية لأي دولة ليست فقط ما تختزنه أرضها من موارد بل ما تمتلكه من عقول قادرة على الإبداع ومؤسسات قادرة على التطوير وشباب مؤهل للمنافسة. فالأمم التي تراهن على الإنسان هي الأقدر على صناعة الغد مهما كانت التحديات.. وفي منطقتنا تبدو الصورة أكثر حساسية. فالشرق الأوسط ظل لعقود طويلة ساحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية لكن المرحلة الحالية تفرض على دوله أن تتحرك برؤية أكثر عمقا وأن تدرك أن الاستقرار لم يعد خيارا سياسيا فقط بل أصبح شرطًا أساسيا للتنمية وجذب الاستثمار وتعزيز المكانة الإقليمية. فلا يمكن لدولة أن تبني مستقبلها وسط الفوضى ولا أن تحمي قرارها وهي تعتمد بالكامل على قرارات الآخرين.. ولهذا فإن امتلاك قرار الغد يبدأ من الداخل من اقتصاد منتج، وتعليم حديث وإدارة كفؤة ومؤسسات قوية ومجتمع يدرك قيمة العمل والانضباط. فالدول لا تبنى بالخطب وإنما بالسياسات الرشيدة ولا تصنع مكانتها بالشعارات وإنما بالإنجازات التي يراها المواطن قبل أن يراها العالم.. وربما يكون أخطر ما يواجه الدول اليوم هو الاعتقاد بأن المستقبل سيمنح فرصا متساوية للجميع. الحقيقة أن العالم لا ينتظر المتأخرين ولا يمنح مكانا لمن يكتفي بمراقبة المشهد. فكل يوم تتأخر فيه دولة عن مواكبة التطور تتقدم فيه دول أخرى بخطوات واسعة وتفرض قواعد جديدة للعبة.. إن قراءة المشهد الدولي بعين الحكمة بعيدا عن الانفعال أو التهويل تكشف أن الصراع الحقيقي لم يعد على من يملك القوة وحدها بل على من يملك القدرة على توجيه القوة وعلى من يستطيع أن يحول التحديات إلى فرص والأزمات إلى دوافع للتقدم.. وفي النهاية يبقى السؤال مطروحا بقوة: من يملك قرار الغد؟

 

 

الإجابة ليست دولة بعينها ولا تحالفا بعينه بل ستكون من نصيب من يمتلك رؤية للمستقبل ويستثمر في الإنسان قبل السلاح وفي المعرفة قبل الضجيج، وفي الاقتصاد قبل الشعارات ويؤمن بأن صناعة القرار تبدأ من بناء الداخل قبل التأثير في الخارج.. فالتاريخ لا يكتبه الأقوى دائما بل يكتبه من أدرك مبكرا أن المستقبل لا ينتظر… وإنما يصنع. ومن ينجح في صناعته لن يملك قرار الغد فحسب بل سيملك القدرة على رسم ملامح العالم الذي سيأتي.