الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي… ضجيج بلا طحن
اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قمة بكين مع نظيره الصيني شي جينبينغ، الجمعة، بإعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة»، لكن رد فعل الأسواق والمستثمرين كشف سريعاً عن أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقتها، في وقت نجح فيه الجانبان سياسياً في تثبيت هدنة هشة بين أكبر اقتصادين في العالم دون معالجة الخلافات البنيوية العميقة بينهما.
القمة، التي انعقدت وسط اضطرابات عالمية متصاعدة بفعل الحرب الإيرانية وضغوط أسواق الطاقة والتباطؤ الاقتصادي العالمي، كانت تُعدّ اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وبكين على إعادة ضبط علاقتهما الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية المتبادلة.
وبالنسبة إلى ترمب، حملت الزيارة أهمية داخلية استثنائية؛ إذ سعى الرئيس الأميركي إلى العودة من بكين بإنجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
أما الصين، فقد تعاملت مع القمة بوصفها فرصة لإظهار نفسها قوة استقرار اقتصادي عالمي في مواجهة الاضطرابات الدولية، مع السعي للحفاظ على الهدنة التجارية الحالية ومنع عودة المواجهة الاقتصادية المفتوحة مع الولايات المتحدة.
• أجواء ودية
وخلال القمة، طغت أجواء الود الشخصي والاستعراض الدبلوماسي على المشهد. فقد حرص ترمب على الإشادة المتكررة بشي جينبينغ، واصفاً إياه بأنه «قائد عظيم» و«صديق»، بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنَّاءة» بين البلدين، عادَّاً الزيارة «محطة مفصلية» في العلاقات الثنائية. كما تبادل الزعيمان جولات خاصة وحديثاً مطولاً داخل حدائق مجمع تشونغنانهاي التاريخي في بكين.
البطش الجزائري يقلق خبراء أمميين
لكن، خلف هذا الدفء السياسي، جاءت النتائج الاقتصادية محدودة نسبياً مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الأميركيين للرئيس الأميركي، بينهم مسؤولون من «بوينغ» و«إنفيديا» وشركات طاقة ومال وتكنولوجيا كبرى.
وكانت الأسواق تراهن على اختراقات كبيرة في ملفات الطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة، إلى جانب احتمال تخفيف القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين… إلا أن معظم هذه الملفات انتهت بتفاهمات عامة أو وعود سياسية أكثر من كونها اتفاقات تفصيلية قابلة للتنفيذ الفوري.
• أبرز الصفقات أقل من التوقعات
الصفقة الأبرز التي أعلنها ترمب تمثلت في موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ»، في أول طلبية صينية كبيرة للطائرات الأميركية منذ نحو عقد… لكن الأسواق كانت تتوقع رقماً أكبر بكثير، بعدما تحدثت تسريبات سابقة عن احتمال توقيع صفقة تصل إلى 500 طائرة. ولذلك؛ جاء رد فعل المستثمرين سلبياً، وتراجعت أسهم «بوينغ» بأكثر من 4 في المائة بعد الإعلان مباشرة.
كما أعلن ترمب أن الصين أبدت اهتماماً متزايداً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية. وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس الأميركي؛ لأن صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الأميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسية للحزب الجمهوري.
لكن حتى هذه التفاهمات بقيت حتى الآن في إطار النوايا السياسية أكثر من العقود التنفيذية الواضحة. فوزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب؛ ما عزز حالة الحذر في الأسواق بشأن مدى جدية أو سرعة تنفيذها.
وفي ملف التكنولوجيا، جاءت النتائج أكثر تواضعاً. فعلى الرغم من مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الأميركي، لم تظهر أي مؤشرات على انفراج حقيقي في أزمة الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
ولا تزال واشنطن تمنع الشركات الصينية من الحصول على أكثر رقائق «إنفيديا» تطوراً، بحجة حماية الأمن القومي الأميركي ومنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية. ومع ذلك، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن مناقشات أولية بين البلدين لوضع «ضوابط وقواعد» لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، عادَّاً أن «القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي بدأتا الحوار»، لكن لم تُعلن أي تفاهمات عملية حتى الآن.
• الإنجاز الأكبر
وفي الواقع، بدا أن الإنجاز الاقتصادي الحقيقي للقمة لم يكن في الصفقات نفسها، بل في منع تدهور العلاقة الاقتصادية بين البلدين والحفاظ على الهدنة التجارية الحالية.
فمنذ اللقاء السابق بين الزعيمين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تم تعليق الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على السلع الصينية، في حين تراجعت بكين عن تهديداتها المتعلقة بتقييد صادرات المعادن والعناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات الأميركية.
وخلال القمة الحالية، لم يُحسم رسمياً بعد ما إذا كانت هذه الهدنة ستمدد بعد انتهاء مدتها لاحقاً هذا العام، لكن مجرد استمرارها يُعدّ بالنسبة للأسواق تطوراً إيجابياً في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي الحالية.
ويرى محللون أن الطرفين يدركان أن العودة إلى الحرب التجارية المفتوحة ستكون مكلفة جداً في الظروف الراهنة. فالاقتصاد الصيني يواجه تباطؤاً ملحوظاً وضغوطاً في قطاع العقارات والاستثمار، في حين تواجه الولايات المتحدة مخاطر تضخم مرتفع وأسعار طاقة متقلبة وضغوطاً انتخابية داخلية.
ولهذا؛ بدا واضحاً أن القمة ركزت على «إدارة التنافس» أكثر من السعي إلى إعادة بناء شراكة اقتصادية عميقة كما كان الحال قبل سنوات.
وفي الخلفية، فرضت الحرب الإيرانية نفسها بقوة على المناقشات الاقتصادية، خصوصاً بسبب تأثيرها المباشر على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. فقد أشار ترمب إلى أن شي أبدى استعداداً للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وفي المحصلة، خرجت قمة بكين بنتيجة يمكن وصفها بأنها «استقرار مؤقت بلا اختراقات كبرى». فالجانبان نجحا في تهدئة الأجواء ومنع التصعيد الاقتصادي، لكنهما لم يقتربا فعلياً من حل الخلافات الجوهرية المتعلقة بالتكنولوجيا والتجارة والأمن الاقتصادي.
وبالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأهم من القمة ليست حجم الصفقات المعلنة، بل حقيقة أن واشنطن وبكين لا تزالان حريصتين على إبقاء المنافسة تحت السيطرة، حتى وإن بقيت العلاقة بينهما محكومة بمزيج معقد من التعاون الاقتصادي والصراع الاستراتيجي.
ولهذا؛ تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى إدارة حذرة للتوتر، لا إلى مصالحة اقتصادية شاملة، في وقت يبقى فيه مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين على الكوكب.
