الدبلوماسية في زمن القوة بقلم: شحاتة زكريا
لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم ذلك الفن الهادئ الذي تحسم فيه الخلافات حول موائد التفاوض ولا تلك اللغة الرصينة التي كانت تمنح العقل فرصة للتقدم على السلاح. فقد تغير المشهد الدولي بصورة عميقة وأصبحت القوة حاضرة في كل تفصيلة من تفاصيل السياسة حتى بدا وكأن الدبلوماسية لم تعد تتحرك إلا في المساحة التي ترسمها موازين القوة.. العالم يعيش مرحلة انتقالية نادرة تتراجع فيها اليقينيات القديمة بينما تتشكل قواعد جديدة لم تستقر بعد. فمن شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط ومن بحر الصين الجنوبي إلى الممرات البحرية الدولية تتزاحم الأزمات وتتداخل المصالح ويصبح امتلاك أدوات التأثير هو اللغة الأكثر حضورا في العلاقات الدولية. ولم تعد القوة تعني الجيوش وحدها بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، والطاقة، والمعلومات، والقدرة على بناء التحالفات وصناعة النفوذ.. في هذا المناخ لم تختفِ الدبلوماسية لكنها تغيرت. لم تعد تسبق القوة كما كان يُؤمل بل كثيرا ما تأتي بعدها لتدير نتائجها أو تحد من خسائرها أو تمنع انزلاقها إلى مواجهة أشمل. لذلك أصبحت المفاوضات أكثر تعقيدا لأن أطرافها لا يجلسون إلى الطاولة وهم يبحثون فقط عن حلول وإنما يحمل كل منهم أوراق ضغط يسعى إلى توظيفها قبل أن يقدم أي تنازل.. ولعل أخطر ما يميز هذه المرحلة أن مفهوم الردع عاد بقوة إلى واجهة السياسة الدولية. فالدول الكبرى لم تعد تكتفي بإصدار البيانات أو إطلاق المبادرات بل أصبحت تحرص على أن تسبق كلماتها رسائل عملية سواء عبر مناورات عسكرية أو تحركات بحرية، أو عقوبات اقتصادية، أو اتفاقيات استراتيجية تعيد رسم موازين النفوذ. وكأن الرسالة الأساسية أصبحت واضحة: لا مكان لصوت لا يسنده وزن حقيقي على الأرض.. غير أن التاريخ يعلمنا أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار. فكم من حرب انتهت إلى طاولة مفاوضات وكم من انتصار عسكري عجز عن تحقيق سلام دائم. ولهذا تبقى الدبلوماسية رغم كل التحولات ضرورة لا غنى عنها لأنها الأداة الوحيدة القادرة على تحويل موازين القوة إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار…ولعل ما تشهده المنطقة العربية يقدم نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فالتحديات الأمنية والتغيرات الاقتصادية وتشابك المصالح الإقليمية تفرض على الدول أن تمتلك معادلة متوازنة تجمع بين القدرة على حماية مصالحها وبين الانفتاح على الحوار وبناء الشراكات. فالدولة التي تمتلك القوة دون حكمة قد تكسب معركة وتخسر مستقبلا أما الدولة التي تعتمد على الدبلوماسية دون عناصر قوة فإن قدرتها على التأثير تظل محدودة.. ومن هنا تتجلى أهمية النموذج المصري الذي يقوم على رؤية تعتبر أن بناء القوة الشاملة ليس غاية في ذاته وإنما وسيلة لحماية السلام والاستقرار. فقد أدركت الدولة المصرية أن الدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى اقتصاد قادر وجيش قوي، ومؤسسات مستقرة، وحضور إقليمي فاعل، حتى يصبح صوتها مسموعا وموقفها محل احترام لذلك استطاعت القاهرة أن تحافظ على سياسة متوازنة تتعامل مع مختلف الأطراف وتحتفظ بهامش واسع من الحركة دون أن تنجر إلى سياسات المحاور أو ردود الفعل المتسرعة.
إن عالم اليوم لا يمنح مكانة مجانية لأحد. فالتأثير أصبح يكتسب بالقدرة على الفعل لا بمجرد امتلاك الحق. والدبلوماسية لم تعد تقاس بعدد اللقاءات والبيانات وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية ومنع الأزمات وصناعة الفرص في بيئة دولية شديدة التقلب…وربما تكون الحقيقة الأهم أن مستقبل العلاقات الدولية لن تحسمه القوة وحدها ولا الدبلوماسية وحدها بل ذلك التوازن الدقيق بينهما. فحين تمتلك الدولة عناصر القوة وتعرف في الوقت نفسه متى تستخدمها ومتى تستبدلها بالحوار تصبح أكثر قدرة على حماية أمنها وتعزيز مصالحها وكسب احترام الآخرين.
وفي النهاية تبقى الدبلوماسية هي الوجه العاقل للقوة وتبقى القوة هي الضمانة التي تمنح الدبلوماسية وزنها. وبين الاثنين تكتب سياسات الدول وتتحدد مكانتها ويرسم مستقبل عالم لا يعترف إلا بمن يجيد الجمع بين الحكمة والقدرة.
