النجاة ليست للجميع.. بقلم: شحاته زكريا

0

في لحظات الاضطراب الكبرى حين تتسارع الأحداث وتتداخل المسارات يسود اعتقاد مريح بأن الأزمات مهما اشتدت تمر على الجميع ثم تنحسر وكأن العالم يقف على أرض واحدة يتقاسم فيها الخسارة والنجاة بالتساوي. لكن الواقع أكثر قسوة وتعقيدا فالنجاة ليست حقا مشاعا ولا نتيجة تلقائية بل هي حصيلة توازنات دقيقة واختيارات حاسمة وقدرة على الفهم قبل الفعل.. العالم اليوم لا يعيش أزمة واحدة بل طبقات من الأزمات المتراكبة اقتصاد يتباطأ تضخم يضغط صراعات تعيد تشكيل خرائط النفوذ وأسواق تتأرجح بين الخوف والترقب. في هذا المشهد لا تسير الدول في اتجاه واحد بل تتباين مساراتها وتتسع الفجوة بين من يملك أدوات العبور ومن يجد نفسه عالقًا في قلب العاصفة.
النجاة هنا ليست صدفة ولا تمنح وفق قواعد عادلة.
إنها في جوهرها نتاج قدرة على قراءة اللحظة واستيعاب التحولات واتخاذ قرارات قد تكون صعبة لكنها ضرورية. الدول التي تتعامل مع الأزمة بوصفها حدثا مؤقتا غالبا ما تفاجأ بامتدادها بينما تلك التي تدرك أنها أمام تحول عميق تعيد ترتيب أوراقها وفق معطيات جديدة.. في هذا السياق تتغير معايير القوة.. لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو وفرة الموارد بل بمدى القدرة على التكيف. هناك دول تملك ثروات هائلة لكنها تتعثر حين تهتز البيئة المحيطة بها لأنها لم تبن منظومة مرنة قادرة على امتصاص الصدمات. وفي المقابل هناك دول أقل إمكانات لكنها تنجح في الصمود لأنها أدركت مبكرا أن العالم لم يعد مستقرا بما يكفي للاعتماد على الثوابت القديمة.. الاقتصاد الذي كان يُنظر إليه كمساحة محايدة نسبيا أصبح ساحة صراع بامتياز.. الطاقة لم تعد مجرد سلعة بل أداة نفوذ. الغذاء لم يعد شأنا زراعيا فقط بل ورقة ضغط. وحتى التكنولوجيا التي كانت رمزا للتقدم تحولت إلى ميدان تنافس محتدم. في هذا الواقع لم يعد كافيا أن تكون لديك موارد بل أن تمتلك القدرة على حمايتها وتوظيفها والتحرك بها ضمن شبكة معقدة من المصالح.
لكن بعيدا عن الأرقام والتحليلات هناك عامل أكثر عمقا الوعي..الوعي بطبيعة المرحلة وبحدود الإمكانات وبضرورة التكيف. المجتمعات التي تدرك ما تواجهه وتعيد ترتيب أولوياتها تكون أكثر قدرة على العبور. أما تلك التي تتعامل مع الأزمة بإنكار أو ارتباك فإنها تضاعف من آثارها حتى وإن كانت تملك مقومات أفضل.. ولأن الأزمات لا تختبر الاقتصاد فقط بل تختبر البنية الكاملة للدولة فإن إدارة المرحلة تصبح العامل الحاسم القرارات المؤجلة تتحول إلى أعباء والحلول المؤقتة تتراكم حتى تصبح جزءا من المشكلة. وفي المقابل فإن المواجهة المبكرة رغم كلفتها تفتح الطريق نحو استقرار أكثر صلابة.. العالم اليوم يعيد ترتيب نفسه لكن ليس وفق معايير العدالة بل وفق منطق المصالح.. قوى تتقدم لأنها أحسنت قراءة اللحظة وأخرى تتراجع لأنها تأخرت في الاستجابة. في هذا السياق لا تكون النجاة مجرد تفادي الخسارة بل القدرة على إعادة التموضع داخل خريطة تتغير بسرعة.. ومع ذلك لا يمكن اختزال الصورة في صراع بين رابح وخاسر فحتى من ينجو لا يخرج من الأزمة دون أثر. الفارق يكمن في حجم هذا الأثر وفي القدرة على التعافي بعده. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للنجاة: ليس أن تمر دون خسارة بل أن تظل قادرا على الاستمرار.. في الحالة المصرية يتداخل هذا المشهد العالمي مع واقع داخلي يحمل تحدياته الخاصة.. التأثر بما يحدث في الخارج أمر لا يمكن إنكاره لكن القدرة على التعامل معه تظل مسألة داخلية في المقام الأول. ليس المطلوب الانعزال عن العالم فهذا لم يعد ممكنا بل التفاعل معه بوعي يوازن بين الانفتاح والحذر.
في النهاية تظل الأزمات لحظات فاصلة تكشف أكثر مما تخفي.. تكشف من كان مستعدا ومن كان يعتمد على الاستقرار بوصفه أمرا دائما. تكشف من يملك رؤية ومن يكتفي برد الفعل. وفي هذه اللحظات لا يكون السؤال: هل ننجو؟ بل: كيف ننجو… وبأي تكلفة؟
النجاة ليست للجميع لأنها ليست قرارا عابرا بل مسار طويل من الفهم والتكيف والقدرة على مواجهة الواقع كما هو لا كما نريده أن يكون.. ومن يدرك هذه الحقيقة لا ينتظر نهاية الأزمة ليبحث عن طريقه… بل يبدأ في صناعته من قلبها.