السفير الدكتور سامح أبو العينين يكتب : الجالية المصرية في أمريكا الشمالية: قوة استراتيجية لمصر
تمثل الجالية المصرية في أمريكا الشمالية رصيداً هائلاً من الخبرات والمعرفة ورؤوس الأموال والانفتاح الدولي، وهو رصيد يمكن أن يسهم بصورة مؤثرة في مستقبل التنمية في مصر.
في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وكندا، نجحت الجاليات المصرية في كتابة واحدة من قصص النجاح الهادئة للهجرة الحديثة. فعلى مدى عدة عقود، تمكن المصريون من ترسيخ وجودهم في مجالات الطب والهندسة والأوساط الأكاديمية والأعمال والتمويل والتكنولوجيا والفنون، دون أن يسعوا إلى لفت الأنظار أو إثارة الضجيج. لقد كان صعودهم تدريجياً وثابتاً، واستند بصورة عميقة إلى التعليم والانضباط المهني. واليوم يمكن العثور على أسماء مصرية في كبرى المستشفيات والجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث والبنوك وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الخاصة في أنحاء أمريكا الشمالية.
وما يجعل هذه المجتمعات جديرة بالملاحظة بشكل خاص هو أن البعد الجغرافي لم يضعف علاقتها بمصر. فما زالت العديد من الأسر المصرية في الخارج تحتفظ بروابط عاطفية قوية مع مدنها وقراها في صعيد مصر والدلتا، أو مع القاهرة والإسكندرية ومدن القناة. ولا يزال الآباء يروون لأبنائهم قصص الشوارع التي نشأوا فيها، والمدارس التي درسوا بها، والأحياء التي غادروها قبل عقود طويلة. كما تظل الزيارات إلى مصر جزءاً من الحياة الأسرية. فحفلات الزفاف، والأعياد، والإجازات الصيفية، والمناسبات الدينية، لا تزال تدفع كثيراً من المصريين المغتربين إلى العودة إلى وطنهم حتى بعد سنوات طويلة من الاستقرار في الخارج.
وقد استمرت هذه الروابط عبر الأجيال. فالكثير من أبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين الأمريكيين ينشأون وهم يحملون شعوراً قوياً بالانتماء إلى مصر، في الوقت الذي يندمجون فيه بصورة كاملة في المجتمعين الأمريكي والكندي. وقد ساهمت الكنائس والمساجد والتجمعات العائلية والجمعيات الثقافية والشبكات الاجتماعية في الحفاظ على هذا الارتباط. كما عززت التكنولوجيا هذا التواصل بدرجة أكبر، إذ ألغت الاتصالات اليومية جانباً كبيراً من المسافة التي كانت تفصل المهاجرين عن وطنهم الأم في الماضي.
وفي الوقت ذاته، استمر التطور المهني للجاليات المصرية. فقد أصبح الأطباء من أصول مصرية يتمتعون بحضور واضح داخل أنظمة الرعاية الصحية الأمريكية والكندية، خصوصاً في مجالات الطب التخصصي والجراحة. كما ارتقى الأكاديميون المصريون في السلم الجامعي ليصبحوا باحثين وأساتذة وعمداء ومسؤولين إداريين في الجامعات.
وساهم المهندسون والعلماء المصريون في تحقيق تقدم في مجالات الطب والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات المتقدمة. واتجه آخرون إلى مجالات الأعمال والإنشاءات والصناعات الدوائية والعقارات والضيافة والخدمات المالية. وفي العديد من المدن، اكتسب المصريون سمعة طيبة ترتبط بالتفوق التعليمي والكفاءة التقنية والأخلاقيات المهنية الراسخة.
وقد وفرت البيئة في أمريكا الشمالية لهذه الجاليات مساحة واسعة للنمو والتطور. فإتاحة الوصول إلى الجامعات المتقدمة والمؤسسات البحثية وأنظمة الرعاية الصحية والأسواق المفتوحة أوجد فرصاً تمكن الكثير من المهاجرين من تحويلها إلى نجاحات دائمة. وأصبح المصريون جزءاً من التجربة الأوسع للهجرة التي أسهمت في تشكيل الولايات المتحدة وكندا الحديثتين، إلى جانب الجاليات اليونانية والهندية وشرق الأوروبية والتركية وغيرها. ومع ذلك، حافظت الجاليات المصرية في كثير من الأحيان على هياكل أسرية متماسكة وأولوية واضحة للتعليم، الأمر الذي ساعد الأجيال المتعاقبة على تحقيق التقدم الاجتماعي والمهني.
ولسنوات طويلة، كانت مصر تنظر إلى المصريين في الخارج من زاوية التحويلات المالية أو الارتباط العاطفي بالوطن. إلا أن الواقع اليوم يتجاوز ذلك بكثير. فالجاليات المصرية في الخارج تمثل مخزوناً هائلاً من الخبرات والمعرفة ورؤوس الأموال والتجارب الدولية التي يمكن أن تسهم بصورة فعالة في مستقبل التنمية المصرية.
إن الاقتصاد العالمي يشهد تغيرات متسارعة. فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والابتكار الطبي والبنية التحتية الرقمية أصبحت عوامل رئيسية في تحديد قوة الدول. ويعمل كثير من المصريين في الخارج بالفعل داخل هذه القطاعات المتقدمة. فبعضهم يشارك في أبحاث طبية رائدة، بينما يعمل آخرون في هندسة البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات وتطوير الأدوية والتصنيع المتقدم. إن الخبرة موجودة بالفعل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية بناء قنوات جادة ومستدامة تربط هؤلاء المتخصصين باحتياجات التنمية طويلة الأجل في مصر.
ويُعد قطاع الرعاية الصحية مثالاً واضحاً على ذلك. فقد راكم الأطباء المصريون في الخارج عقوداً من الخبرة في بعض أكثر المستشفيات والمؤسسات الطبية تقدماً في العالم. ويمكن لهذه الخبرات أن تدعم برامج التدريب والشراكات البحثية وتطوير طب الطوارئ والتعليم الطبي التخصصي داخل مصر.
وتوجد فرص مماثلة في قطاع التعليم العالي. فالأكاديميون والأساتذة المصريون العاملون في كبرى الجامعات الأمريكية والكندية يدركون جيداً كيفية عمل المؤسسات البحثية الحديثة، وآليات إدارة التمويل العلمي، وكيفية دمج التكنولوجيا في التعليم والابتكار.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع التكنولوجيا. فالفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية أصبحت تُقاس بشكل متزايد بقدرات البحث العلمي، وأنظمة البرمجيات، وبراءات الاختراع، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية. ويمكن للمصريين العاملين في هذه المجالات أن يساعدوا في ربط مصر بالتقنيات الناشئة التي ستشكل الصناعات والاقتصادات المستقبلية.
أما الاستثمار، فهو عنصر بالغ الأهمية كذلك. فالكثير من المصريين في الخارج يحتفظون برغبة حقيقية في الإسهام في تنمية مصر من خلال الاستثمار في العقارات والصناعة والسياحة والصناعات الدوائية والمشروعات التكنولوجية. غير أن الارتباط العاطفي وحده لا يكفي للحفاظ على استثمارات طويلة الأجل. فالمستثمرون يبحثون عن الاستقرار والشفافية والإدارة الكفؤة والقواعد التنظيمية الواضحة والقابلة للتنبؤ. ومن الطبيعي أن يتوقع المصريون الذين أمضوا عقوداً يعملون في أنظمة اقتصادية متقدمة معايير مهنية وإجراءات واضحة عند تعاملهم مع المؤسسات في وطنهم الأم.
وقد يكون الجيل الشاب من المصريين الأمريكيين هو الجسر الأكثر أهمية بين مصر وأمريكا الشمالية. فهؤلاء المهنيون الشباب الذين نشأوا في الولايات المتحدة وكندا يتحركون بسهولة بين الثقافات والتقنيات وبيئات الأعمال الدولية. وكثير منهم يمتلك خبرات في مجالات لم تكن موجودة قبل جيل واحد فقط، مثل التسويق الرقمي وتطوير البرمجيات ورأس المال المغامر والإنتاج الإعلامي والذكاء الاصطناعي وثقافة الشركات الناشئة. وفي الوقت نفسه، ما زال العديد منهم يحتفظ بعلاقة عاطفية حقيقية مع مصر من خلال الروابط العائلية والتراث الثقافي.
وتتمتع الجاليات المصرية في الساحل الغربي الأمريكي، وخاصة في ولاية كاليفورنيا، بإمكانات ثقافية وإبداعية كبيرة. فالمصريون العاملون في مجالات السينما والإعلام والترفيه والإعلان والاتصالات الرقمية يحملون خبرات قيّمة من قطاعات أصبحت تلعب دوراً محورياً في تشكيل النفوذ العالمي وصورة الدول. ففي عصر تهيمن عليه الشاشات والمنصات الرقمية والسرد البصري، أصبح الحضور الثقافي جزءاً لا يتجزأ من النفوذ الوطني.
أما الساحل الشرقي، وخاصة نيويورك والمناطق الحضرية المحيطة بها، فيضم العديد من أوائل موجات الهجرة المصرية إلى أمريكا الشمالية. وتشمل هذه المجتمعات أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والعاملين في الأمم المتحدة وقطاعات البنوك والخدمات المالية والعمالة الماهرة وصناعة الأغذية. وما زالت خبراتهم وشبكات علاقاتهم غير مستغلة بالشكل الكافي، وتستحق أن تحظى بمكانة أكبر ضمن استراتيجية مصر للتواصل مع جالياتها في الخارج.
وبالمثل، تمثل الجاليات المصرية في مناطق الغرب الأوسط الأمريكي، وخاصة في شيكاغو وولاية ميشيغان، تجمعاً مهماً للخبرات العلمية والابتكار التكنولوجي والخبرة الصناعية والإمكانات الاستثمارية. وتجسد هذه المجتمعات تحديداً مزيج المهارات والموارد الذي تحتاجه مصر في رحلتها التنموية وسعيها لتعزيز قدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي سريع التغير.
وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على روابط قوية مع الجاليات المصرية في الخارج يتطلب تحسيناً مستمراً للخدمات المقدمة إليها. فخدمات القنصليات والإجراءات المصرفية والمعاملات العقارية والأنظمة الحكومية الرقمية وترتيبات السفر والخدمات التعليمية، كلها عوامل تؤثر على نظرة المصريين في الخارج إلى علاقتهم بمؤسسات الدولة. ومن الطبيعي أن يتوقع من اعتادوا على أنظمة فعالة وسريعة في الخارج مستوى مماثلاً من الكفاءة والاستجابة. ولا يعد التعامل مع هذه القضايا مجرد شأن إداري، بل هو عنصر أساسي في بناء الثقة طويلة الأمد بين الدولة وملايين المصريين المقيمين خارج حدودها.
وخلال السنوات الأخيرة، كثف المسؤولون والدبلوماسيون المصريون جهود التواصل مع الجاليات المصرية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وكندا. وتعكس الزيارات التي يقومون بها إلى المنظمات المجتمعية والجامعات والكنائس والمساجد والشركات والمطاعم والتجمعات العائلية إدراكاً متزايداً بأن هذه الجاليات تمثل أكثر من مجرد مواطنين يعيشون في الخارج، بل هي جزء لا يتجزأ من الحضور الإنساني المصري الأوسع على الساحة الدولية.
إن نجاح المصريين في أمريكا الشمالية لم يكن وليد الطموح وحده، بل تأسس على التعليم والتضحية والانضباط الأسري والقدرة على التكيف والإصرار العميق على النجاح دون قطع الصلة بالوطن. فقد غادر كثيرون مصر بحثاً عن الفرص، لكن قلة منهم فقط تخلت فعلياً عن ارتباطها بها. لقد استمرت هذه العلاقة عبر عقود وأجيال متعاقبة، وقد يصبح الحفاظ عليها وتعزيزها أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأجل لمصر في عالم يتشكل بصورة متزايدة بفعل المعرفة والابتكار والشبكات العالمية.
