النظام الدولي بين التفكك الأمريكي وصعود القطب الصيني
رؤية استشرافية لتأثيرات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية وتداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية على مستقبل النظام الدولي....
بقلم: أ.د. وئام عثمان
رئيس قسم العلوم السياسية والإدارة العامة -جامعة بورسعيد
التاريخ لا يعرف فراغ القوة، فكلما تراجعت إمبراطورية، بدأت أخرى في إعادة تشكيل موازين العالم، لكن الانتقال بينهما لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر حروب وأزمات وتحولات تعيد رسم الخريطة الدولية.
العالم يقف على أعتاب لحظة تاريخية
لم يعد العالم يعيش النظام الدولي الذي تشكل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عندما أصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد الذي يقود الاقتصاد العالمي، ويعيد رسم خرائط التحالفات، ويتدخل في إدارة الأزمات الدولية دون منافس حقيقي.
كما أن العالم لم يصل بعد إلى نظام متعدد الأقطاب مستقر المعالم.
بل إننا نعيش مرحلة انتقالية، ربما تكون الأكثر اضطرابًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ مرحلة تختلط فيها الحروب العسكرية بالصراعات الاقتصادية والمنافسة التكنولوجية بالحروب السيبرانية، والدبلوماسية التقليدية بمعارك الذكاء الاصطناعي.
وفي قلب هذه التحولات جاءت الحرب الروسية–الأوكرانية، ثم الحرب الأمريكية–الإسرائيلية في غزة، لتكشفا أن النظام الدولي لم يعد قادرًا على الاستمرار بالآليات القديمة، وأن موازين القوة العالمية بدأت تتحرك بصورة متسارعة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: “من سينتصر في الحرب؟”
بل أصبح:
أي نظام دولي سيولد بعد انتهاء هذه الحروب؟
الإمبراطورية الأمريكية… هل بدأ العد التنازلي؟
على مدار العقود الثلاثة الماضية اعتادت الأدبيات السياسية الحديث عن “اللحظة الأمريكية”، باعتبار الولايات المتحدة القوة التي لا ينافسها أحد.
لكن من وجهة نظري، فإن هذه اللحظة بدأت تتآكل منذ سنوات طويلة، ولم يكن ما نشهده اليوم سوى نتيجة لمسار تراكمي من التراجع.
فبداية التحول الحقيقي يمكن إرجاعها إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي لم تكن مجرد أزمة اقتصادية، وإنما مثلت أول اهتزاز كبير للنموذج الرأسمالي الأمريكي، وكشفت هشاشة النظام المالي الذي قاد الاقتصاد العالمي لعقود.
وللمرة الأولى بدأ العالم يتساءل:
هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في تمويل إمبراطوريتها العالمية بالمعدلات نفسها؟
الفوضى الخلاقة… بداية انكشاف المشروع الأمريكي
لم تكد واشنطن تتجاوز تداعيات الأزمة المالية حتى دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع ما عُرف باستراتيجية **الفوضى الخلاقة**، التي استهدفت إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
كان التصور الأمريكي يقوم على أن إعادة رسم خريطة المنطقة سيمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر لعقود طويلة.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
فقد أدت هذه السياسات إلى تصاعد الصراعات، وظهور قوى مسلحة جديدة، وتنامي أدوار قوى إقليمية ودولية، بينما لم تحقق الولايات المتحدة الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.
بل يمكن القول إن هذه المرحلة كانت بداية تآكل القدرة الأمريكية على هندسة الإقليم وفق رؤيتها المنفردة.
ترامب… محاولة إنقاذ الإمبراطورية
عندما وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يكن مجرد رئيس جديد، بل كان تعبيرًا عن إدراك جزء من النخبة الأمريكية أن الإمبراطورية تمر بأزمة حقيقية.
ولهذا رفع شعار “أمريكا أولًا”.
كان الهدف إعادة بناء الداخل الأمريكي، وتقليل تكلفة الانخراط الخارجي، وإعادة التفاوض مع الحلفاء، وفرض تعريفات جمركية، والدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين.
ثم عاد ترامب مجددًا إلى السلطة وهو يحمل الرؤية نفسها، لكن في بيئة دولية أكثر اضطرابًا، وأكثر تعقيدًا مما كانت عليه خلال ولايته الأولى.
إلا أن السؤال يظل قائمًا:
هل تستطيع الحالة الترامبية إنقاذ الإمبراطورية الأمريكية؟
أم أنها، من حيث لا تدري، تُسرّع عملية تفككها؟
الحربان… استنزاف مزدوج لواشنطن
وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام جبهتين في توقيت واحد.
في أوروبا دعمت أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
وفي الشرق الأوسط قدمت دعمًا واسعًا لإسرائيل.
ومع امتداد الصراعين، ارتفعت كلفة الانخراط الأمريكي بصورة غير مسبوقة، سواء اقتصاديًا أو عسكريًا أو سياسيًا.
وفي الداخل الأمريكي تصاعد الجدل حول حجم الإنفاق العسكري، بينما اتسعت الانقسامات الحزبية، وبدأت قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي تتساءل عن جدوى استمرار لعب دور “شرطي العالم”.
غزة… الحرب التي كشفت أزمة المصداقية
لم تكن الحرب في غزة مجرد مواجهة عسكرية.
بل تحولت إلى اختبار أخلاقي وسياسي للنظام الدولي بأكمله.
وأصبح الخطاب الأمريكي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان موضع نقاش واسع في العديد من دول العالم، خاصة في الجنوب العالمي.
كما أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها.
وأظهرت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع إنهاء الصراعات التاريخية، ولا تستطيع فرض الاستقرار بالقوة وحدها.
أوكرانيا… الحرب التي أعادت الجغرافيا السياسية
أما الحرب الروسية–الأوكرانية فقد أعادت العالم إلى منطق توازنات القوى.
فعادت سباقات التسلح.
وعاد الردع النووي.
وعادت أهمية الأمن الغذائي والطاقة.
كما أثبتت الحرب أن العقوبات الاقتصادية وحدها لم تعد قادرة على حسم الصراعات الدولية، وأن القوى الكبرى أصبحت تمتلك بدائل مالية وتجارية تقلل من آثار الضغوط الغربية.
الصين… الصعود الهادئ
في المقابل، تتحرك الصين بطريقة مختلفة تمامًا.
فبكين لا تسعى إلى إسقاط الولايات المتحدة عبر مواجهة عسكرية مباشرة.
بل تعتمد استراتيجية يمكن وصفها بـ **”الصعود الأحادي الحذر”**.
إنها تبني نفوذها بالتكنولوجيا.
وبالاقتصاد.
وبالاستثمار.
وبالذكاء الاصطناعي.
وبالموانئ.
وبشبكات التجارة.
وبمبادرة الحزام والطريق.
فالصين تدرك أن الزمن يعمل لصالحها، ولذلك تتجنب المغامرات العسكرية الكبرى، وتفضل سياسة التراكم البطيء للقوة.
ولهذا تبدو بكين اليوم المستفيد الأكثر هدوءًا من حالة الاستنزاف التي تعيشها القوى الغربية.
الجنوب العالمي… ولادة لاعب جديد
من أهم نتائج الحروب الحالية أن دول الجنوب العالمي لم تعد تقبل بدور التابع.
فأصبحت تبحث عن مصالحها بعيدًا عن الاستقطاب التقليدي.
ولهذا اتجهت دول كثيرة إلى تنويع تحالفاتها، والانضمام إلى تكتلات جديدة مثل “بريكس”، وتعزيز التعاون مع الصين والهند وروسيا، دون أن تقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن العالم لم يعد يقبل بالاستقطاب الثنائي أو الأحادي كما كان في السابق.
هل نحن أمام انهيار أمريكي؟
في تقديري، لا يشهد العالم انهيارًا مفاجئًا للإمبراطورية الأمريكية، وإنما يشهد (مرحلة تفكك تدريجي لبنيتها الإمبراطورية).
فكل المؤشرات تشير إلى أن مسار التراجع بدأ منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم تعمق مع تداعيات الفوضى الخلاقة، وتزايد مع الحروب الممتدة، والانقسامات الداخلية، وتصاعد المنافسة الصينية.
كما أن محاولات إعادة ترميم الإمبراطورية عبر السياسات الترامبية، رغم أنها تستهدف استعادة الهيمنة الأمريكية، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تعكس حجم الأزمة أكثر مما تقدم حلولًا لها، إذ أسهمت في تعميق الاستقطاب الداخلي، وأثارت توترات مع عدد من الحلفاء، وسرّعت اتجاه قوى عديدة إلى البحث عن بدائل للنظام الذي تقوده واشنطن.
ومن ثم، فإن ما نراه اليوم ليس نهاية الولايات المتحدة كقوة عظمى، وإنما بداية انتقالها من مرحلة الهيمنة المنفردة إلى مرحلة تتراجع فيها قدرتها على احتكار قيادة النظام الدولي، بما قد يقود إلى “تفكك تدريجي للنظام الإمبراطوري الأمريكي” الذي تشكل بعد الحرب الباردة.
هل تصبح الصين القطب الأوحد الجديد؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالصين لا تتحرك بعقلية الإمبراطوريات التقليدية.
بل تعتمد سياسة النفس الطويل.
وتفضل بناء النفوذ قبل إعلان القيادة.
ولهذا فإن بكين لا تبدو مستعجلة لوراثة واشنطن، وإنما تراهن على أن الزمن وحده سيعيد توزيع القوة لصالحها.
إنها تدرك أن أخطر ما يمكن أن يواجه مشروعها هو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، ولذلك تستثمر في الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار أكثر مما تستثمر في الصدام.
المستقبل… نظام أكثر تعقيدًا
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن العقد القادم سيشهد عالمًا مختلفًا تمامًا.
عالمًا تتراجع فيه قدرة أي قوة منفردة على قيادة النظام الدولي.
وتتصاعد فيه أهمية الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والممرات البحرية، والحروب السيبرانية.
كما ستصبح التحالفات أكثر مرونة، وستزداد أهمية القوى المتوسطة والدول الإقليمية في إدارة الأزمات الدولية.
إن ما يشهده العالم اليوم …..ليس مجرد صراع بين الولايات المتحدة والصين، ولا مجرد تداعيات لحربين في أوروبا والشرق الأوسط، وإنما هو مخاض تاريخي لإعادة تشكيل النظام الدولي.
ومن منظور استشرافي، أرى أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 مسارًا طويلًا من التراجع البنيوي، تعمق مع إخفاقات مشروع الفوضى الخلاقة، وتزايد مع الحروب الممتدة والانقسامات الداخلية، بينما تحاول الحالة الترامبية إبطاء هذا المسار واستعادة مكانة الولايات المتحدة، لكنها تواجه تحديات مركبة قد تجعلها، عن غير قصد، تُسرّع من انتقال الإمبراطورية إلى مرحلة أكثر وضوحًا من التفكك.
وفي المقابل، تواصل الصين الشعبية (صعودها الأحادي الحذر)، معتمدة على الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الهادئ، في انتظار اللحظة التي تسمح لها بتوسيع دورها العالمي دون الدخول في مواجهة مباشرة تستنزف مشروعها.
وربما لن يكون العقد القادم عقد الهيمنة الأمريكية، بل عقد الهيمنة الصينية، حيث يُعاد رسم ميزان النفوذ، وتُختبر قدرة الدول على التكيف مع نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه النهائية بعد، لكنه بالتأكيد لن يشبه العالم الذي عرفناه بعد نهاية الحرب الباردة.
