لا أصدقاء دائمون.. لكن هناك مصالح دائمة.. بقلم: شحاته زكريا
في السياسة الدولية تبدو المصلحة الوطنية هي الثابت الوحيد في عالم يموج بالتحولات فالتحالفات تتسع وتضيق والمواقف تتبدل بتبدل موازين القوى وما كان يبدو خيارا استراتيجيا بالأمس قد يصبح عبئا تحاول العواصم التملص منه اليوم. غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني الانزلاق نحو سياسة عدمية تتجرد من المبادئ بل يمثل مدخلا واقعيا لقراءة النظام الدولي كما هو بالفعل لا كما تصوره الأمنيات أو تفرضه الخطابات الدبلوماسية المعلبة لقد تجاوزت حركة العلاقات الدولية المعاصرة ذلك التقسيم الكلاسيكي الحاد بين حليف كامل وخصم دائم إذ نشهد اليوم مساحات رمادية بالغة الاتساع تتقاطع فيها المصالح في ملف وتتعارض في آخر؛ فتجد دولا تبني شراكات تجارية واستثمارية ضخمة رغم التباين السياسي الحاد أو تنسق أمنيا لحماية ممرات الطاقة بينما تتصادم رؤاها حول قضايا إقليمية شائكة. هذا التعقيد يفرض على الدول التي تسعى لحماية سيادتها ومستقبلها أن تتسلح بمرونة دبلوماسية فائقة تتيح لها تنويع الخيارات دون أن تفرط في ثوابت أمنها القومي أو تتحول إلى مجرد ساحة لتصفية حسابات الكبار وفي حالة مصر تكتسب هذه المقاربة أهمية استثنائية فالموقع الجغرافي المتحكم في مفاصل التجارة والطاقة لا يسمح بالانكفاء أو الانحياز المطلق لمحور دون غيره. وإذا كان الحضور المصري يتسع بطبيعته شرقا وغربا فإن القيمة الحقيقية لهذا الانفتاح لا ترتبط بحصاد القمم أو سيل البيانات المشتركة بقدر ما ترتبط بترجمة هذا النفوذ الدبلوماسي إلى مكتسبات اقتصادية وتنموية تسهم في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وتعزيز أمن الطاقة والغذاء إن التوازن الناضج في إدارة السياسة الخارجية يكمن في التمييز الدقيق بين تنويع الشركاء وتشتيت الولاءات فالأول يعكس وعيا استراتيجيا يوسع هوامش المناورة ويمنع الارتهان لطرف واحد، بينما يمثل الثاني ارتباكا يُفقد الدولة بوصلتها وهيبتها التفاوضية. والقدرة على إدارة الخلاف مع الشركاء دون تحويله إلى قطيعة والتعامل مع التحالفات الدولية بحسابات العائد التنموي المستدام هي الركيزة الحقيقية لبناء قوة ناعمة وصلبة في آن واحد تصون استقلال القرار الوطني وتجعل من المصلحة العليا عنوانا ثابتا لكل تحرك خارجي.
