بين العلن والظل… أين تُصنع تسويات إيران وواشنطن؟ بقلم: شحاته زكريا
في السياسة الدولية ليست كل المعارك تحسم على وقع التصريحات ولا كل الاتفاقات تُولد تحت أضواء الكاميرات. هناك دائما مساحة رمادية تتحرك فيها الدول حين تصل إلى قناعة أن الضجيج لم يعد مجديا ، وأن ما لا يُقال قد يكون أكثر تأثيرا مما يُعلن. في هذه المساحة تحديدا يمكن قراءة ما يجري بين إيران والولايات المتحدة اليوم…ما يبدو على السطح حالة من التوتر المتبادل وربما استعراضا محسوبا للقوة يخفي في عمقه إدراكا متزايدا لدى الطرفين بأن كلفة الاستمرار في الصراع المفتوح لم تعد قابلة للاحتواء. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بميزان القوة بل بقدرة كل طرف على تحمل استنزاف طويل اقتصاديا وسياسيا وحتى اجتماعيا.
إيران التي خبرت سنوات طويلة من العقوبات والضغوط لم تعد تتحرك بذات الأدوات التقليدية فقط بل باتت أكثر ميلا إلى إدارة الصراع بعقلية مركبة تجمع بين الصلابة التكتيكية والمرونة الاستراتيجية. فهي تدرك أن الصمود وحده لم يعد كافيا وأن إعادة التموضع داخل النظام الدولي باتت ضرورة لا خيارا مؤجلا. هذا التحول لا يُعلن صراحة لكنه يظهر في لغة أكثر انفتاحا وفي استعداد محسوب لإعادة تعريف بعض الثوابت دون التفريط في جوهرها.. في المقابل تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة مختلفة عما كانت عليه في العقود السابقة. لم تعد القوة العسكرية وحدها كفيلة بفرض النتائج خاصة في منطقة أثبتت مرارا قدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج الأزمات. كما أن الضغوط الداخلية وتغير أولويات السياسة الأمريكية يدفعان باتجاه البحث عن مخرج ذكي من صراع مكلف دون الظهور بمظهر المتراجع.. هنا تتقاطع المصالح دون أن تتطابق.
فلا إيران قادرة على القبول باتفاق يفسّر داخليا كتنازل ولا واشنطن مستعدة لتوقيع تفاهم يبدو كاعتراف غير مشروط بنفوذ خصمها الإقليمي. ومن ثم يصبح الحل في منطقة وسطى تُبنى تدريجيا عبر قنوات غير معلنة تُختبر فيها النوايا وتُقاس حدود الممكن.. القنوات الخلفية ليست جديدة في هذا السياق لكنها اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي تسمح للطرفين بالتفاوض بعيدا عن ضغوط الرأي العام وعن حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء. في هذه القنوات لا تكون اللغة حادة ولا المواقف نهائية بل تُطرح الأفكار كاحتمالات وتختبر السيناريوهات قبل أن تتحول إلى مواقف رسمية.. لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن هذه القنوات لا تتحرك في فراغ بل في بيئة دولية معقدة تتداخل فيها أدوار قوى متعددة. أوروبا تسعى للحفاظ على دورها كوسيط وقوى إقليمية تراقب بحذر فيما تفضل أطراف دولية أخرى البقاء في موقع المتابع انتظارا لما ستسفر عنه التفاهمات.. وسط هذا التشابك لم يعد الملف النووي هو القضية الوحيدة بل أصبح جزءا من معادلة أوسع تشمل النفوذ الإقليمي وأمن الطاقة ومسارات التجارة وحتى التوازنات التكنولوجية. وهذا ما يجعل أي اتفاق محتمل أكثر تعقيدا لكنه في الوقت ذاته أكثر شمولا..اللافت أيضا أن أدوات الصراع نفسها تشهد تحولا.فلم تعد المواجهة تُدار فقط عبر الجيوش أو العقوبات بل عبر منظومات أكثر تعقيدا: حرب معلومات تأثير اقتصادي غير مباشر استخدام التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين القوى. في هذا السياق يصبح الذكاء الاستراتيجي بما يشمله من تحليل بيانات واستشراف سيناريوهات عنصرا حاسما في إدارة التفاوض حتى وإن ظل بعيدا عن الأضواء.. ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو فجوة الثقة.. هذه الفجوة التي تراكمت عبر عقود لا يمكن ردمها باتفاق واحد ولا حتى بسلسلة من التفاهمات. لكنها يمكن أن تُدار وأن تُخفف حدتها عبر خطوات تدريجية تبنى فيها الثقة ببطء وربما بحذر شديد.
ما يحدث الآن لا يبدو كمسار تقليدي نحو اتفاق بل كعملية إعادة تعريف للعلاقة ذاتها. علاقة لا تقوم على التحالف ولا على القطيعة الكاملة بل على نوع من التعايش الحذر ، الذي يوازن بين التنافس والتفاهم.
في هذا الإطار قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل سيتم التوصل إلى اتفاق؟ بل: ما شكل العلاقة التي يسعى الطرفان إلى بنائها بعد هذا الاتفاق؟ لأن ما يُصاغ في الغرف المغلقة اليوم لن يحدد فقط نهاية مرحلة بل ملامح مرحلة جديدة بالكامل. مرحلة قد لا تختفي فيها الخلافات لكنها قد تُدار بشكل مختلف أقل صداما وأكثر براغماتية.. وفي عالم يتغير بسرعة لم تعد القوة في القدرة على فرض الإرادة فقط بل في القدرة على إعادة صياغتها بما يتناسب مع الواقع.
وهنا تحديدا تتحدث القنوات الصامتة… حيث يعاد رسم ما لا يُرى قبل أن يظهر للعلن.
