بين واشنطن وطهران وتل أبيب.. لبنان على مفترق طرق جديد
يتصدر لبنان مجدداً واجهة التحليلات السياسية مع تصاعد التوترات الإقليمية، في ظل استمرار التداخل بين الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية، وسط تباين في التقديرات بشأن مستقبل الجنوب اللبناني وإمكانية التوصل إلى ترتيبات جديدة تحد من التصعيد.
وفي هذا السياق، عرض “رادار” على “سكاي نيوز عربية” رؤيتين مختلفتين لكل من المحاضر في أكاديمية الجليل الغربي موشيه إلعاد، وأستاذ العلاقات الدولية خطار أبو دياب، تناولتا مستقبل الاشتباك في لبنان وانعكاساته على التوازنات الإقليمية.
لبنان ومضيق هرمز والعقوبات… أبرز تطورات الساعات التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران
وقال موشيه إلعاد إن لبنان يمثل التهديد الأمني المباشر الأكثر إلحاحا بالنسبة لإسرائيل، معتبرا أن الخطر الإيراني يبقى أخطر من حيث المدى، لكنه أقل إلحاحاً من تهديد حزب الله الذي وصفه بأنه مباشر وقريب، مستحضراً هجوم السابع من أكتوبر بوصفه نموذجا للمخاطر التي تخشاها إسرائيل على حدودها الشمالية.
وأكد إلعاد أن أي اتفاق لا يعالج ما وصفه بالمخاطر التي يشكلها حزب الله على الحدود الشمالية لن يكون مقبولاً من الجانب الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الرسالة الموجهة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء من حكومة يمينية أو يسارية في إسرائيل، تقوم على رفض أي تسوية تمس أمن سكان الشمال.
وطرح إلعاد سيناريوهين لمستقبل الجبهة اللبنانية؛ أولهما التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، يتبعه انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود بدعم أميركي وأوروبي، مع تصاعد الضغوط الدولية على حزب الله لتسليم سلاحه.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان، مع احتمال تصاعد الخلافات مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وشدد على أن نزع سلاح حزب الله يمثل شرطاً أساسياً لأي تقدم سياسي، مؤكداً أن إسرائيل تقبل بالمسار التفاوضي، لكنها تتمسك بأن يتم نزع السلاح بصورة رسمية وحقيقية من قبل الحكومة اللبنانية.
وفي سياق متصل، حذر إلعاد من احتمال توسيع المنطقة العازلة داخل الأراضي اللبنانية إذا استمرت هجمات حزب الله، معتبراً أن ذلك قد يمنع مزيداً من السكان اللبنانيين من العودة إلى منازلهم، ووصف هذا السيناريو بأنه “عقوبة جماعية”، مؤكداً في الوقت نفسه أن الهدف الأساسي لإسرائيل يبقى ممارسة الضغوط لنزع سلاح الحزب.
وكشف أيضا عن وجود قيود أميركية على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، لكنه قال إن إسرائيل لن تتردد في تنفيذ ضربات ضد قيادات بارزة في حزب الله أو مسؤولين إيرانيين إذا رأت في ذلك ضرورة أمنية، حتى لو أدى ذلك إلى خلاف مع واشنطن.
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، رأى إلعاد أن تراجع شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لن يغير السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، معتبرا أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستتبنى النهج نفسه، وأن أي انسحاب إسرائيلي لن يتم قبل نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني على الحدود.
في المقابل، قدم أستاذ العلاقات الدولية خطار أبو دياب قراءة مختلفة، معتبرا أن الولايات المتحدة تسعى إلى منع ربط ساحات الصراع، لكنها وجدت نفسها تربطها عمليا من خلال التفاهمات الأخيرة.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى الاستعانة بالدولة اللبنانية لأن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار.
ورأى أبو دياب أن إسرائيل تبنت منذ هجوم السابع من أكتوبر عقيدة أمنية جديدة تشمل حدودها مع غزة وسوريا ولبنان، لكنه شكك في قدرة ترامب على تغيير هذه العقيدة، معتبرا أن مواقف كل من ترامب ونتنياهو تبقى خاضعة لحسابات سياسية داخلية قد تؤثر في مسار الأحداث.
ووصف لبنان بأنه ساحة مركزية للاشتباك الإقليمي بين إسرائيل وإيران، معتبرا أن ما تحقق من ضربات للمحور الإيراني خلال الفترة الماضية تراجع بفعل الأداء الدبلوماسي الأميركي وتردد الإدارة الأميركية.
واستشهد أبو دياب بزيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي إلى الحدود اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، معتبرا أنها عكست حجم النفوذ الإيراني في لبنان، لافتا إلى أن هذا النفوذ استمر طوال السنوات اللاحقة، بما في ذلك خلال اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
وأشار إلى أن الدولة اللبنانية لا تزال عاجزة عن اتخاذ إجراءات حاسمة في مواجهة النفوذ الإيراني، مستشهدا بعدم مغادرة السفير الإيراني رغم اعتباره شخصية غير مرغوب فيها، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار الإصرار الإيراني على الاحتفاظ بنفوذه في الساحة اللبنانية.
وأضاف أن الدولة اللبنانية، بتركيبتها الحالية، غير قادرة على مواجهة حزب الله عسكريا، لأن ذلك قد يقود إلى حرب أهلية، مستشهداً بتجارب تاريخية منذ اتفاق الطائف عام 1989، حيث لم تُنهَ ظاهرة السلاح خارج الدولة إلا بتدخلات خارجية.
واختتم أبو دياب بالتأكيد أن الحل يتطلب إدارة سياسية فعالة يقودها الوسيط الأميركي، إلى جانب دعم دولي عملي للدولة اللبنانية، معتبراً أن الدعم السياسي وحده لن يكون كافياً، وأن أولوية المرحلة يجب أن تكون تعزيز مؤسسات الدولة، رغم محدودية قدرتها الحالية على إحداث تحول وطني شامل.
