شحاته زكريا يكتب : العالم لا يخشى الحرب… بل يخشى فقدان السيطرة

0

في كل مرة تقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار.يظن البعض أن السؤال الحقيقي هو: هل ستندلع الحرب؟
لكن الحقيقة أن السؤال الأخطر دائما يكون: ماذا لو خرجت الأمور عن السيطرة؟فالعالم لم يعد يعيش زمن الحروب التقليدية الواضحة التي تبدأ بقرار وتنتهي باتفاق بل دخل مرحلة أكثر تعقيدا أصبحت فيها التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية متشابكة بصورة تجعل أي شرارة صغيرة قادرة على إعادة تشكيل خرائط كاملة في لحظات.
ما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءته فقط باعتباره أزمة عابرة أو جولة جديدة من التصعيد المعتاد لأن المشهد هذه المرة يبدو أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالقوى الكبرى نفسها لم تعد تتحرك بثقة مطلقة كما كان يحدث في الماضي بل باتت تحسب خطواتها بدقة شديدة لأنها تدرك أن تكلفة الخطأ أصبحت أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال.. الولايات المتحدة التي اعتادت لعقود طويلة فرض إيقاعها السياسي والعسكري على العالم، تبدو اليوم أمام معادلة مختلفة. فهي تملك القوة بلا شك لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استخدام هذه القوة لم يعد يمنح النتائج نفسها دائما. فالحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات بل بحجم الخسائر الاقتصادية وتأثير الاضطراب على الأسواق وردود فعل الرأي العام وقدرة الدول على تحمل الاستنزاف الطويل.. ولهذا تبدو واشنطن وكأنها تتحرك بين خطين متوازيين التصعيد من جهة ومحاولة منع الانفجار الكامل من جهة أخرى. فهي تريد الحفاظ على صورة الردع لكنها لا تريد حربا مفتوحة قد تدفع المنطقة والعالم إلى فوضى يصعب احتواؤها..وفي المقابل تدرك إيران أيضا أن المعركة لم تعد عسكرية فقط بل سياسية ونفسية واقتصادية بامتياز. لذلك تحاول إدارة التوتر بطريقة تجعل خصومها يشعرون بأن أي مواجهة مباشرة لن تكون سهلة أو محدودة التكلفة. وهنا تحديدا تكمن خطورة المشهد لأن كل طرف يقترب من الحافة دون أن يرغب فعليا في السقوط.. لكن الأزمة الحقيقية ربما لا تتعلق بطهران أو واشنطن وحدهما بل بالعالم كله الذي أصبح أكثر هشاشة مما يبدو. فالاقتصاد العالمي الخارج بصعوبة من أزمات متلاحقة لم يعد يحتمل صدمة كبرى جديدة في الطاقة أو التجارة أو سلاسل الإمداد. والأسواق التي تعيش حالة قلق مستمرة باتت تتعامل مع أي توتر سياسي باعتباره تهديدا مباشرا للاستقرار العالمي.. ولذلك فإن أخطر ما في التصعيد الحالي ليس احتمالات الضربات العسكرية ذاتها بل فكرة فقدان السيطرة على إيقاع الأحداث. لأن التاريخ يؤكد أن كثيرا من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار شامل للحرب بل بسوء تقدير أو برد فعل متسرع أو بحسابات ظنت الأطراف أنها محدودة ثم تحولت إلى مواجهة مفتوحة…وربما لهذا السبب تحديدا لم تعد القوة الحقيقية اليوم في القدرة على إشعال المعارك بل في القدرة على منعها دون الظهور بمظهر الضعيف. وهي معادلة شديدة التعقيد تحاول القوى الكبرى إدارتها وسط عالم يتغير بسرعة وتوازنات لم تعد ثابتة كما كانت…اللافت أيضا أن صورة الولايات المتحدة نفسها تواجه اختبارا مختلفا. فالعالم الذي كان ينظر إلى واشنطن باعتبارها القطب الأكثر قدرة على فرض الاستقرار، بدأ يراجع كثيرا من المسلمات القديمة. ليس لأن أمريكا فقدت قوتها العسكرية ولكن لأن النفوذ الحديث لم يعد يعتمد على القوة الصلبة وحدها بل على القدرة على الإقناع والحفاظ على التحالفات وصناعة الثقة الدولية.. ومن هنا تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد خلاف سياسي أو عسكري. إنها اختبار لفكرة القيادة العالمية نفسها واختبار لقدرة النظام الدولي على تجنب الانزلاق نحو فوضى أكبر في لحظة شديدة الحساسية اقتصاديًا وسياسيا.. أما الشرق الأوسط فيبقى كعادته أكثر المناطق دفعا لفاتورة الصراعات الدولية. منطقة تمتلك كل عناصر الأهمية الطاقة والممرات البحرية والموقع الجغرافي لكنها في الوقت نفسه تعيش دائمًا على حافة التوتر وكأن قدرها أن تبقى ساحة مفتوحة لحسابات القوى الكبرى.
ورغم كل الضجيج، يبقى المؤكد أن العالم لا يريد حربا شاملة لأن الجميع يعرف أن نتائجها لن تكون مضمونة لأحد. لكن المشكلة أن الرغبة في تجنب الحرب لا تعني دائما القدرة على منعها خاصة حين تتداخل الحسابات السياسية مع الضغوط الداخلية وصراعات النفوذ وموازين الردع.. وفي تقديري فإن المرحلة القادمة لن تُحسم فقط بالقوة العسكرية بل بمدى قدرة الأطراف المختلفة على إدارة الأعصاب واحتواء التصعيد وقراءة المشهد بعقل بارد وسط عالم ساخن…فالعالم اليوم لا يخشى الحرب فقط بل يخشى اللحظة التي يفقد فيها الجميع القدرة على السيطرة.