مدافن جماعية للعقول داخل مصانع الشهادات !

0

كتبت / ابتسام مصطفى

هناك جرائم تُرتكب بالسلاح، وجرائم تُرتكب بالكلمة، وجرائم تُرتكب في صمت خلف المكاتب المكيفة والواجهات اللامعة.

ومن أخطر هذه الجرائم أن يتحول التعليم من رسالة لصناعة الإنسان إلى مشروع هدفه الأول والأخير تعظيم الأرباح.

فليس كل من بنى مدرسة أصبح مربياً، وليس كل من أنشأ جامعة أصبح صاحب رسالة.

بعضهم دخل هذا المجال لأنه أدرك أن التعليم من أكثر الأسواق ربحاً، وأن خوف الآباء على مستقبل أبنائهم سلعة لا تنتهي صلاحيتها أبداً.

فأصبحت المدارس تُباع كما تُباع المشروعات العقارية، وأصبحت الجامعات تتنافس في الدعاية أكثر مما تتنافس في البحث العلمي، وأصبح الطالب هدفاً تسويقياً قبل أن يكون عقلاً يحتاج إلى بناء.

نرى مباني فاخرة، وقاعات مكيفة، وشعارات أجنبية براقة، وحملات إعلانية بملايين الجنيهات، لكننا لا نرى بالضرورة خريجاً أفضل، ولا باحثاً أقوى، ولا إنساناً أكثر وعياً.

وكأن البعض فهم التعليم على أنه مشروع لجمع المصروفات لا مشروع لصناعة المستقبل.

والكارثة الأكبر حين تدخل الأموال مجهولة المصدر إلى هذا القطاع النبيل.

فالبعض لا يبحث عن بناء أجيال، بل عن بناء واجهة اجتماعية محترمة تغسل صورة ثروة جاءت من طرق لا يمكن التفاخر بها.

فما أسهل أن يتحول صاحب تجارة مشبوهة في نظر المجتمع إلى “رجل تعليم” أو “مؤسس أكاديمية” أو “صاحب جامعة”، بينما الحقيقة أن المؤسسة بالنسبة له ليست رسالة، بل مجرد ستار أنيق يضيف وجاهة اجتماعية ويمنحه شرعية لا يستحقها.

المشكلة أن ضحية هذه الممارسات ليست الحكومة ولا المنافسين.

الضحية الحقيقية هو الطالب.

شاب يدفع سنوات من عمره وأموال أسرته أملاً في مستقبل أفضل، ثم يكتشف أنه كان مجرد رقم في ميزانية، وأن المؤسسة كانت تهتم بتحصيل الرسوم أكثر من اهتمامها بتحصيل المعرفة.

إن التعليم ليس مشروعاً عادياً يمكن قياس نجاحه بحجم الأرباح السنوية.

فالمصنع إذا فشل ينتج سلعة رديئة.

أما المدرسة إذا فشلت فإنها تنتج جيلاً رديئاً.

والفرق بين الاثنين أن السلعة يمكن استبدالها، أما الأجيال فلا.

لهذا يجب أن يكون السؤال الذي يوجه لكل من يدخل هذا المجال:

هل جئت لتبني الإنسان أم لتستثمر فيه؟

هل ترى الطالب مشروع عقل أم مشروع ربح؟

هل تعتبر المدرسة مكاناً لصناعة المستقبل أم ماكينة لتحصيل الأموال؟

لأن التاريخ لا يتذكر حجم الأرباح التي حققتها المؤسسات التعليمية، بل يتذكر فقط ماذا قدمت للأوطان وماذا تركت للأجيال.

وسيظل التعليم رسالة مهما حاول البعض تحويله إلى تجارة.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ يوم يقتنع المجتمع أن التجارة والرسالة شيء واحد.

عندها لن نخسر المدارس فقط…

بل سنخسر الإنسان نفسه.