شحاتة زكريا يكتب : مضيق هرمز يختبر العالم.. هل أصبحت الطاقة رهينة الجغرافيا؟

0

حين تضيق الممرات المائية وتتقاطع خطوط النار السياسية مع خطوط الملاحة الدولية يتوقف العالم بأسره لالتقاط أنفاسه أمام شريان حيوي لا يقبل التوقف ولا يملك الاقتصاد الدولي بأسره رفاهية تجاهله أو القفز فوق تداعياته. ليس مضيق هرمز مجرد بقعة جغرافية ضيقة ومحدودة على خريطة الشرق الأوسط المشتعلة بل هو صمام الأمان الحقيقي الذي يتنفس من خلاله اقتصاد الكوكب والنافذة الاستراتيجية العظمى التي تتدفق عبرها شرايين الطاقة لتشعل مصانع الشرق وتدير عجلات الإنتاج في الغرب والجنوب على حد سواء. وهنا يبرز السؤال الجوهري والأكثر إلحاحا الذي يطرق أبواب العقول والسياسات العالمية هل أصبحت طاقة العالم حقا رهينة جغرافيا سياسية متحركة ومتقلبة؟ أم أن الأزمات المتلاحقة والمتعاقبة في هذا الممر الاستراتيجي الحساس تفرض حتماً على المجتمع الدولي صياغة قواعد جديدة تؤمن استقرار الأسواق وتمنع تحويل لقمة عيش الشعوب وإمدادات الوقود إلى ورقة ضغط رخيصة في صراعات النفوذ الإقليمي والدولي؟ إن قراءة واعية وعميقة لهذا المشهد المعقد تؤكد يقينا أن الجغرافيا قد تمنح الدول مفاتيح البوابات والبحار لكن الحكمة وحدها والتعاون العقلاني هما اللذان يضمان ألا تتحول هذه المفاتيح أبداً إلى أدوات دمار شامل للاقتصاد العالمي وللاستقرار الإنساني إن التداعيات المباشرة وغير المباشرة لأي توتر عسكري أو سياسي تشهده مياه هرمز لا تقتصر بحال من الأحوال على عواصم الإقليم المحيطة به بل تمتد كسلسلة من ألسنة اللهب لتلتهم الاستقرار المالي والنقدي في شتى أنحاء العالم وتصيب الأسواق العالمية بتشنجات سعرية عنيفة تنعكس فورا وبدون توقف على أسعار السلع الأساسية وتكاليف النقل والشحن البحري ومعدلات التضخم الجامح التي تثقل كاهل المواطن البسيط في كل مكان على وجه الأرض. وفي قلب هذا العالم المترابط والمثقل بالأزمات تقف مصر كدولة كبرى ذات موقع استراتيجي محوري وفريد تتأثر طرديا وعكسيا بأي اهتزاز في أمن الطاقة العالمي أو اضطراب في حركة التجارة الدولية في الممرات المائية المجاورة. غير أن الدرس الاستراتيجي الأهم والأعمق الذي تقدمه الأزمات المتتالية لمصر هو ضرورة امتلاك مصادر طاقة متنوعة وتعميق سياسة الاعتماد على الذات والإنتاج المحلي وتحويل التحديات الإقليمية والدولية المحيطة إلى حافز قوي لتسريع خطط التحول الأخضر وتطوير قطاعات الطاقة المتجددة والشمسية والرياح وتأمين الاحتياطي الاستراتيجي بعيدا عن أية مفاجآت محتملة قد تحملها الممرات البحرية المغلقة أو المهددة. إن الاقتصاد المصري بخطواته الثابتة والواعية نحو بناء بنية تحتية عملاقة ومتنوعة وموانئ حديثة يثبت يوما بعد يوم مرونة عالية وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات العالمية شريطة أن تظل بوصلة التحرك الوطني موجهة دوما نحو تعزيز الإنتاج المحلي الحقيقي وخفض فاتورة الاستيراد الباهظة.
على الصعيد الدولي بات لزاما وضرورة ملحة على القوى الكبرى والمؤسسات الاقتصادية العالمية أن تدرك وتعي جيدا أن أمن الطاقة لم يعد مجرد مسألة عقود تجارية تقليدية أو تحالفات عسكرية عابرة بل أصبح أمن قومي عالمي مشترك لا يحتمل المغامرات غير محسوبة العواقب ولا يقبل التجريب على حساب الشعوب. إن استمرار التهديدات المستمرة التي تواجه حرية الملاحة والسلامة البحرية في المضائق والممرات الحيوية يفرض حتمية تاريخية لإيجاد بدائل استراتيجية ومسارات إمداد آمنة ومتعددة إلى جانب تعزيز آليات التعاون الدولي الجاد لضبط إيقاع السوق ومنع المضاربات الوهمية التي تستغل حالة الخوف والقلق لتحقيق مكاسب احتكارية ضيقة على حساب المصلحة العامة. وفي المقابل فإن دول الإقليم تدرك تماما وبلا غشاوة أن الاستقرار والتنمية المستدامة هما الجناحان الوحيدان اللذان يمكن لأي اقتصاد وطني أن يحلق بهما نحو المستقبل فلا تنمية حقيقية تبنى وسط أصوات الطبول وقرع الحرب ولا ازدهار اقتصاديا يتحقق في ظل تهديد خطوط التمويل والإمداد الحيوي. إن حماية مصالح الشعوب تقتصر دائما على تغليب صوت العقل والدبلوماسية الاقتصادية الرشيدة على لغة التهديد والتلويح بإغلاق الشرايين التي يعيش منها العالم.
إن التجارب التاريخية الإنسانية تثبت مرارا وتكرارا أن العالم كلما واجه اختبارا قاسيا وعنيفا لجغرافيته وطاقته كلما ولد من رحم المعاناة والأزمة ابتكارات وحلول تكنولوجية واقتصادية جديدة تعيد توزيع أوراق القوة لصالح العقل البشري والعمل والإنتاج. فمضيق هرمز بكل تعقيداته ليس سوى حلقة واحدة في سلسلة طويلة ومتصلة من التحديات الجيوسياسية المتلاحقة التي عبرتها البشرية مراراً بفضل الإرادة والقدرة العالية على التكيف والابتكار. والنتيجة الناجزة والواضحة هنا هي أن الطاقة مهما حاولت الجغرافيا أن تحاصرها أو تحبس أنفاسها ستظل تتدفق نحو الأسواق والمصانع طالما هناك عقول تفكر وحكومات تتعاون بمسؤولية وإرادة دولية جادة تحمي قواعد التجارة الحرة وتصون حقوق الأجيال القادمة في العيش الكريم. إن مصر ومعها المجتمع الدولي قاطبة قادرة على تحويل هذا الاختبار الصعب والداهم إلى فرصة تاريخية جديدة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية وبناء مستقبل اقتصادي أكثر مناعة وصلابة واستقرارا في مواجهة كل رياح التغيير العاتية.