السياسة عندما تخلع أقنعتها .. بقلم: شحاتة زكريا
في عالم السياسة ليست كل الأشياء كما تبدو وليست كل الكلمات تعبر بالضرورة عن النوايا الحقيقية. فهناك دائما مساحة واسعة بين ما يقال أمام الكاميرات وما يُناقش خلف الأبواب المغلقة، وبين الشعارات التي ترفع في العلن والحسابات التي تُدار في الخفاء. ولهذا كانت السياسة منذ القدم واحدة من أكثر المجالات تعقيدا وإثارة للجدل لأنها لا تتحرك دائما وفق ما يراه الناس بل وفق ما تفرضه المصالح والضرورات وموازين القوة.. وعلى مدار التاريخ اعتادت الدول والقوى الكبرى أن ترتدي أقنعة متعددة. قناع المبادئ حين تقتضي الحاجة وقناع الصداقة عندما تتطلب المصالح ذلك وقناع العداء عندما تفرض الظروف إعادة رسم التحالفات. لكن بين الحين والآخر تأتي لحظات فارقة تسقط فيها الأقنعة، وتظهر الحقائق أكثر وضوحا فيدرك العالم أن ما كان يعتقده ثابتا لم يكن سوى جزء من مشهد أكبر وأكثر تعقيدا.. السياسة عندما تخلع أقنعتها تكشف أن العلاقات بين الدول لا تبنى على العواطف بل على المصالح. فالدول لا تمنح مواقفها مجانا ولا تخوض معاركها بدافع المشاعر وإنما تنظر أولا إلى أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ومكانتها الاستراتيجية. ولهذا كثيرا ما شهد العالم تحالفات بين خصوم وخصومات بين حلفاء عندما تغيرت الحسابات أو تبدلت الأولويات.. وإذا تأملنا المشهد الدولي اليوم سنجد أن كثيرا من الشعارات التي سادت لعقود بدأت تفقد بريقها أمام حقائق الواقع. فالدول التي تحدثت طويلا عن القيم والمبادئ وجدت نفسها في مواقف تفرض عليها خيارات مختلفة والدول التي رفعت رايات المواجهة عادت إلى طاولات التفاوض عندما أدركت أن كلفة الصراع أصبحت أكبر من مكاسبه…ولعل أبرز ما تكشفه السياسة عندما تخلع أقنعتها هو أن الاقتصاد أصبح لاعبا رئيسيًا في صناعة القرار. فالقوة العسكرية لم تعد وحدها كافية لتحقيق النفوذ بل أصبح الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة أدوات تأثير لا تقل أهمية. ولهذا نرى اليوم أن كثيرا من المعارك تدور في الأسواق والموانئ والممرات التجارية ومراكز التكنولوجيا أكثر مما تدور في ساحات القتال التقليدية.. كما تكشف السياسة في وجهها الحقيقي أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث بل أصبح جزءا من معركة النفوذ والتأثير. فالرواية أصبحت سلاحا والمعلومة أصبحت أداة قوة ومن ينجح في صياغة الرواية المقنعة يستطيع أن يحقق مكاسب قد لا تحققها الجيوش أحيانا.. وفي منطقتنا العربية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالمنطقة التي عاشت سنوات طويلة على وقع الصراعات والأزمات بدأت تشهد تحولات كبيرة حيث تتقدم لغة المصالح الاقتصادية والتنموية على كثير من الشعارات التقليدية. وأصبحت الدول أكثر اهتماما ببناء الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار إدراكا منها أن المستقبل لا يصنع بالشعارات وحدها بل بالعمل والتنمية والقدرة على مواجهة التحديات.
غير أن خلع الأقنعة لا يعني بالضرورة غياب المبادئ أو القيم بل يعني فهم الواقع كما هو. فالدول الناجحة هي التي تستطيع الموازنة بين مصالحها وثوابتها وتدرك أن السياسة ليست عالما مثاليا بل مساحة للتعامل مع الممكن والمتاح في ظل ظروف متغيرة باستمرار…ومن هنا تأتي أهمية الوعي السياسي لدى الشعوب. فالمتابع الواعي لا يكتفي بما يسمعه من تصريحات ولا يتوقف عند العناوين العريضة بل يحاول قراءة ما وراء الأحداث وفهم المصالح التي تحركها. فالكثير من القرارات الكبرى لا يمكن تفسيرها بالشعارات وحدها وإنما بفهم السياقات الاقتصادية والاستراتيجية التي تحيط بها.
لقد أصبح العالم أكثر صراحة في التعبير عن مصالحه وأكثر جرأة في إعادة ترتيب أولوياته. ومع كل أزمة أو صراع جديد تتكشف حقائق كانت مخفية وتسقط تصورات كانت راسخة ويكتشف الجميع أن السياسة لا تعرف الثبات المطلق وأن ما يبدو مستحيلا اليوم قد يصبح واقعا غدا.. وفي النهاية عندما تخلع السياسة أقنعتها لا ينكشف العالم فقط بل تنكشف أيضا طبيعة العلاقات الدولية وحقيقة الصراعات والتحالفات. عندها ندرك أن التاريخ لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه المصالح والقرارات والقدرة على قراءة الواقع بعيون مفتوحة…ففي عالم السياسة قد تختلف الوجوه وتتغير الخطابات لكن الحقيقة التي تتكرر عبر الزمن هي أن الدول تتحرك وفق ما تراه مناسبا لمستقبلها وأمنها ومكانتها. وعندما تسقط الأقنعة لا يبقى سوى الواقع… ذلك الواقع الذي يفسر كثيرا مما كان يبدو غامضا ويكشف أن السياسة في جوهرها فن إدارة المصالح وسط عالم لا يتوقف عن التغير..
