المتلونون .. سماسرة المواقف من الإعلاميين
كتبت / ابتسام مصطفى
لا شيء يثير الاشمئزاز في الحياة العامة أكثر من ذلك الإعلامي الذي يبدل جلده مع كل مرحلة، ويغيّر مبادئه مع كل حاكم، ويعيد كتابة مواقفه كلما تغير اتجاه الريح.
تراه اليوم يهتف بحماس للنظام القائم، ويصفه بأنه المنقذ والمخلّص وصاحب الرؤية التاريخية، ثم لا يلبث أن يتحول إلى أشد منتقديه إذا تبدلت الموازين. لا لأن الحقيقة ظهرت له فجأة، ولا لأن ضميره استيقظ بعد سبات طويل، بل لأنه ببساطة محترف في عبادة القوة والانحناء أمام النفوذ.
هؤلاء لا ينتمون إلى مهنة الإعلام بقدر ما ينتمون إلى مهنة التسويق السياسي. لا يدافعون عن فكرة، ولا يحملون قضية، ولا يحترمون عقل الجمهور. هم مجرد أجهزة رادار بشرية تلتقط اتجاه السلطة، ثم تضبط بوصلتها عليه فوراً.
في كل عهد يخرجون علينا بالخطاب نفسه، لكن بأسماء وشعارات مختلفة. الكلمات تتغير، أما النفاق فيبقى ثابتاً. كانوا يصفقون بالأمس للسياسات ذاتها التي يهاجمونها اليوم، ويهاجمون اليوم الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يحيطونهم بهالات التقديس قبل سنوات قليلة.
المشكلة ليست في أن يغيّر الإنسان رأيه؛ فالمراجعة الفكرية فضيلة. المشكلة أن يتحول تغيير الرأي إلى تجارة، وأن يصبح المبدأ سلعة تُباع وتُشترى حسب سعر السوق السياسي.
الإعلام الحقيقي يراقب السلطة أياً كانت، ويحاسب المسؤول أياً كان اسمه، ويحترم عقل المشاهد مهما كان انتماؤه. أما الإعلامي المتلون فلا يرى سوى مصالحه، ولا يسمع سوى صدى صوته وهو يمدح المنتصر ويهاجم المهزوم.
لقد أفسد هؤلاء مفهوم الإعلام لدى الناس. جعلوا الجمهور يشك في كل كلمة، ويرى في كل تحليل مصلحة خفية، وفي كل موقف صفقة محتملة. وحين يفقد الإعلام مصداقيته، تخسر المجتمعات واحدة من أهم أدوات الرقابة والتنوير.
التاريخ لا يرحم. قد ينسى الناس بعض المقالات والبرامج، لكنهم لا ينسون من باع قلمه، ولا من استبدل ضميره بعقد إعلان سياسي. فالمواقف الحقيقية تُصنع وقت الخوف، أما البطولات المتأخرة بعد تبدل الظروف فليست سوى نوع آخر من النفاق.
ويبقى السؤال: كم من إعلامي يدافع عن الحقيقة مهما كان الثمن؟ وكم من إعلامي يدافع فقط عن الجهة التي تدفع الثمن؟
