شحاتة زكريا يكتب : السياسة حين تخلع قفازاتها
لم تعد السياسة كما عرفها العالم لعقود طويلة؛ لم تعد مجرد بيانات دبلوماسية تُصاغ بعناية، أو اجتماعات مغلقة تنتهي بابتسامات أمام عدسات المصورين، أو كلمات محسوبة تُقال في المؤتمرات الدولية. ما نشهده اليوم هو انتقال واضح من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة استعراض القوة، ومن لغة التوازن إلى لغة الردع، ومن الدبلوماسية الهادئة إلى سياسات أكثر صراحة ووضوحًا، حتى بدا وكأن السياسة قد قررت أن تخلع قفازاتها الناعمة، لتكشف عن يدٍ تتحرك وفق حسابات المصالح قبل أي اعتبارات أخرى.
العالم يتغير بوتيرة لم يشهدها منذ نهاية الحرب الباردة. التحالفات التي كانت تبدو ثابتة أصبحت قابلة لإعادة التشكيل، والخصومات التقليدية لم تعد تمنع تفاهمات مؤقتة عندما تفرض المصالح نفسها. لم تعد الدول تتحرك وفق الشعارات التي كانت ترفعها، بل وفق معادلة أكثر تعقيدًا، عنوانها: ماذا سأربح؟ وماذا سأخسر؟
في السياسة، لا توجد فراغات. كل مساحة يتركها طرف، يسارع طرف آخر إلى ملئها. ولهذا نشهد سباقًا محمومًا على مناطق النفوذ، وعلى الممرات البحرية، وعلى التكنولوجيا، وعلى مصادر الطاقة، وحتى على العقول عبر الإعلام والمنصات الرقمية. إنها معركة لا تُخاض بالدبابات وحدها، بل بالمعلومات، والاقتصاد، والاستثمار، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والعقوبات، والاتفاقيات.
لقد كشفت الأزمات الدولية المتلاحقة أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لصناعة النفود، كما أن الاقتصاد وحده لا يكفي لحماية المصالح. الدولة القادرة اليوم هي التي تجمع بين قوة القرار، وكفاءة الاقتصاد، وتماسك المجتمع، وقدرتها على بناء شراكات متوازنة. لذلك أصبحت السياسة أكثر صراحة في التعبير عن أهدافها، وأكثر جرأة في استخدام أدواتها.
وعندما تخلع السياسة قفازاتها، يصبح الخطاب أقل مجاملة، وتصبح الرسائل أكثر مباشرة. لم يعد هناك كثير من المساحات الرمادية التي كانت تسمح بالتأويل. القرارات تُعلن بسرعة، والعقوبات تُفرض في ساعات، والمواقف تُقاس بالفعل لا بالتصريحات. حتى الدبلوماسية نفسها تغيرت؛ فهي لم تعد تعني فقط التفاوض، بل أصبحت فن إدارة القوة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في منطقتنا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالشرق الأوسط يقف في قلب توازنات عالمية دقيقة، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية. ولذلك فإن أي تطور، مهما بدا محدودًا، قد يمتد أثره إلى ملفات الطاقة، والتجارة، والأمن، والهجرة، والاستثمار. وهذا ما يجعل قراءة المشهد تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء، بعيدًا عن الانفعال أو الأحكام السريعة.
وفي خضم هذه التحولات، برز مفهوم الدولة الوطنية باعتباره أحد أهم عناصر الاستقرار. فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية، ورؤية واضحة، وقدرة على التكيف مع المتغيرات، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، مهما اشتدت الضغوط. أما الدول التي تنشغل بصراعاتها الداخلية، فإنها تمنح الآخرين فرصة التأثير في قرارها.
ولا يمكن إغفال أن السياسة الحديثة أصبحت تعتمد على الاقتصاد بقدر اعتمادها على القوة. فالاستثمارات الكبرى، ومشروعات البنية التحتية، والتحول الرقمي، وأمن الطاقة، كلها تحولت إلى أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات أو الصواريخ. ولهذا أصبحت المنافسة العالمية تدور في ميادين متعددة، لا في ساحة واحدة.
وفي هذا المشهد المتغير، يبرز دور الوعي العام. فالمواطن الذي يدرك طبيعة التحولات الدولية، ويقرأ الأحداث بعيدًا عن الشائعات، يصبح شريكًا في حماية استقرار وطنه. أما الانجراف خلف الأخبار غير الموثقة أو التحليلات المتسرعة، فإنه يفتح الباب أمام الفوضى المعلوماتية التي أصبحت أحد أخطر أسلحة العصر.
إن السياسة حين تخلع قفازاتها لا تعني بالضرورة اقتراب الحروب، لكنها تعني أن العالم أصبح أكثر وضوحًا في التعبير عن مصالحه، وأكثر استعدادًا لاستخدام كل أدوات القوة لحمايتها. وهي رسالة تؤكد أن مرحلة المجاملات الطويلة قد تراجعت، لتحل محلها مرحلة الحسابات الدقيقة.
وفي المقابل، فإن الدول التي تمتلك رؤية للمستقبل لا تكتفي بردود الأفعال، بل تبادر إلى صناعة الفرص، وتنويع شراكاتها، وتعزيز اقتصادها، والاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا. فهذه هي الأسلحة الحقيقية في عالم لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على التكيف والتأثير.
ويبقى الدرس الأهم أن السياسة ليست مباراة تُحسم بالخطب الرنانة، ولا بالصوت الأعلى، وإنما بحسن قراءة الواقع، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. فالتاريخ لا يتذكر من رفع الشعارات كثيرًا، لكنه يتذكر من امتلك الحكمة عندما اشتدت العواصف.
وحين تخلع السياسة قفازاتها، لا يكون السؤال: **من الأقوى؟** بل يصبح السؤال الأكثر أهمية: **من كان أكثر استعدادًا لزمن تتغير فيه قواعد اللعبة كل يوم؟** ففي عالم سريع التحول، لا يكفي أن تمتلك القوة، بل يجب أن تعرف متى تستخدمها، ومتى تستثمرها، ومتى تستبدلها بالحكمة؛ لأن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات، وإنما بقدرتها على توظيفها لصناعة الاستقرار، وحماية مصالحها، وبناء مستقبل لا تفرضه الصدفة، بل تصنعه الرؤية.
