المنطقة العربية.. بين مشاريع التنمية ومخاطر الفوضى بقلم :شحاته زكريا
تعيش المنطقة العربية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدا منذ عقود ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول إلى بناء نماذج تنموية جديدة وإعادة تشكيل اقتصاداتها والانفتاح على المستقبل بمشروعات عملاقة وطموحات غير مسبوقة لا تزال المنطقة نفسها محاطة بسلسلة ممتدة من الأزمات والصراعات والتهديدات التي تجعل الاستقرار أشبه بمعركة يومية تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والتوازن.
المشهد العربي اليوم يحمل مفارقة لافتة فمن جهة هناك دول تراهن على التنمية باعتبارها الطريق الوحيد للنجاة وبناء النفوذ الحقيقي ومن جهة أخرى لا تزال هناك بؤر توتر مفتوحة تهدد بابتلاع أي محاولة للاستقرار أو التقدم.
العالم العربي يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن الزمن تغير وأن الدول لم تعد تُقاس فقط بحجم جيوشها أو ثرواتها الطبيعية بل بقدرتها على بناء اقتصاد قوي ومجتمع متماسك وبنية تحتية قادرة على الصمود أمام الأزمات العالمية المتلاحقة. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تحركات واسعة في عدد من الدول العربية لإطلاق مشروعات تنموية ضخمة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار والسياحة والصناعة…هذه التحولات لم تكن رفاهية سياسية أو اقتصادية بل محاولة حقيقية للحاق بعالم يتحرك بسرعة هائلة. فالدول التي تتأخر في سباق التنمية تدرك أنها قد تجد نفسها خارج معادلات التأثير في المستقبل.. لكن المشكلة أن المنطقة العربية لا تتحرك داخل بيئة مستقرة.. فالصراعات الممتدة في عدد من الدول والتوترات الإقليمية وتصاعد الاستقطاب الدولي كلها عوامل تجعل أي مشروع تنموي معرضا للاهتزاز في أي لحظة. المنطقة تعيش وسط خرائط نفوذ متشابكة ومصالح دولية متضاربة وقوى إقليمية تتحرك أحيانا بمنطق الصراع أكثر من منطق الشراكة.. ما يحدث في غزة والتوتر المستمر في البحر الأحمر والتصعيد بين إيران وإسرائيل والأزمات الممتدة في بعض الدول العربية، كلها مؤشرات تؤكد أن المنطقة لا تزال تقف فوق أرض شديدة الحساسية وأن أي خطأ في الحسابات قد يدفع الجميع إلى موجة اضطراب جديدة…الأخطر أن الفوضى في العصر الحديث لم تعد تأتي فقط عبر الحروب التقليدية.. فالدول يمكن إنهاكها اقتصاديا أو استنزافها إعلاميا أو ضرب استقرارها عبر الشائعات والحروب السيبرانية والتدخلات غير المباشرة. ولهذا أصبحت معركة الحفاظ على الدولة الوطنية أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.. وربما لهذا السبب بدأت بعض الدول العربية تدرك أن التنمية والأمن لم يعودا ملفين منفصلين. فلا يمكن بناء اقتصاد قوي وسط الفوضى ولا يمكن حماية الاستقرار دون تحسين حياة الناس وخلق فرص حقيقية للأمل والعمل.. وفي قلب هذا المشهد تبدو مصر نموذجا مهما في التعامل مع هذه المعادلة الصعبة.
فالدولة المصرية تتحرك في محيط إقليمي شديد الاضطراب لكنها في الوقت نفسه تواصل تنفيذ مشروعات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والصناعة والزراعة والنقل انطلاقا من قناعة بأن بناء الدولة الحديثة هو الضمانة الحقيقية للصمود في عالم مضطرب…كما أن دول الخليج بدورها دخلت مرحلة جديدة من التفكير الاقتصادي تقوم على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط وبناء مراكز استثمارية وتكنولوجية وسياحية عالمية. وهي خطوات تعكس إدراكا واضحا بأن المستقبل لن ينتظر الدول التي تظل أسيرة النماذج التقليدية القديمة.. لكن رغم كل هذه الطموحات يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على حماية هذه المشروعات من رياح الفوضى التي لا تزال تضرب المنطقة من وقت لآخر. فالتنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة والاستثمار يحتاج إلى ثقة والشعوب تحتاج إلى شعور بالأمان حتى تستطيع المشاركة في بناء المستقبل.. الواقع يؤكد أن المنطقة العربية تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول بقوة في مسار التنمية والتكامل وبناء المصالح المشتركة وإما البقاء رهينة للصراعات المفتوحة التي استنزفت مقدرات الشعوب لعقود طويلة…ولعل الدرس الأهم الذي أثبتته السنوات الماضية أن الدول التي امتلكت رؤية واضحة للمستقبل وقدرة على الحفاظ على مؤسساتها كانت أكثر قدرة على الصمود أمام العواصف. أما الدول التي غرقت في الفوضى فقد اكتشفت متأخرة أن إعادة بناء الأوطان أصعب بكثير من هدمها…وفي ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات متشابكة لم يعد أمام المنطقة العربية رفاهية إضاعة الوقت. فمعركة المستقبل لن تحسم بالشعارات بل بالعلم والعمل والاستقرار والقدرة على بناء إنسان يشعر أن له مكانا في وطنه وأملا في غده…وفي النهاية تبقى الحقيقة الأوضح أن التنمية ليست مجرد أرقام أو مشروعات عملاقة بل هي معركة وعي وإرادة وبقاء فالمنطقة العربية اليوم تقف بالفعل بين طريقين: طريق يبني المستقبل رغم التحديات وطريق آخر تقوده الفوضى إلى مزيد من الإنهاك والضياع.
