حين تصبح الطمأنينة أمنية عالمية بقلم: شحاته زكريا
لم تعد الطمأنينة ذلك الشعور البسيط الذي يبحث عنه الإنسان في نهاية يوم طويل ولا تلك الحالة الهادئة المرتبطة فقط براحة البال أو استقرار الحياة الشخصية. ما يحدث اليوم أكبر من ذلك بكثير. فالطمأنينة نفسها أصبحت مطلبا عالميا نادرا وأمنية تتشارك فيها شعوب تختلف في اللغة والثقافة والمصالح لكنها تجتمع على شعور واحد: القلق.
العالم يبدو وكأنه يعيش حالة انتظار طويلة لا يعرف أحد نهايتها. الحروب لم تعد أخبارا بعيدة والأزمات الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام تذكر في نشرات المال والتوتر السياسي لم يعد شأنا خاصا بالدول الكبرى وحدها. كل شيء أصبح مترابطا بصورة تجعل الإنسان العادي يشعر أن حياته الشخصية تتأثر بقرارات تتخذ على بعد آلاف الكيلومترات منه.. في السنوات الأخيرة تغيرت ملامح الإنسان المعاصر بشكل لافت. لم يعد القلق استثناء بل أصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. الناس تركض أكثر لكنها تصل أقل. تتواصل أكثر لكنها تشعر بوحدة أكبر. تمتلك وسائل راحة لم تكن متاحة من قبل لكنها تفتقد ذلك السلام الداخلي الذي كان أبسط الناس يشعرون به قديمًا دون تعقيد.
ربما تكمن الأزمة الحقيقية في أن العالم أصبح سريعا أكثر مما تحتمل الروح البشرية. الأخبار تتدفق بلا توقف والأحداث تتلاحق بصورة تجعل الإنسان يعيش تحت ضغط دائم وكأن عليه أن يقلق طوال الوقت حتى يواكب ما يحدث. ومع تكرار مشاهد الحروب والانقسامات والأزمات تسلل الشعور بالخوف إلى النفوس بهدوء حتى صار جزءا من الوعي الجمعي للبشر.. اللافت أن هذا القلق لم يعد مرتبطا فقط بالخوف من المستقبل بل بفقدان القدرة على فهم الحاضر نفسه. فالعالم الذي كان يبدو واضحًا في السابق أصبح أكثر غموضا وتشابكا. التحالفات تتغير والاقتصادات تهتز واليقين الذي اعتمدت عليه الشعوب لعقود طويلة بدأ يتراجع أمام واقع متحرك لا يمنح أحدا فرصة للاطمئنان الكامل.. وسط كل ذلك يبدو الإنسان البسيط هو الطرف الأكثر إرهاقا. ذلك الذي لا يملك سلطة اتخاذ القرار لكنه يتحمل نتائج كل القرارات. يشعر بارتفاع الأسعار ويخاف من تراجع الفرص ويتابع عالما يمتلئ بالتوتر دون أن يعرف كيف يمكنه حماية أحلامه الصغيرة من هذا الضجيج الكبير.
ومع ذلك لا يمكن اختزال المشهد في صورة قاتمة فقط. فالأزمات رغم قسوتها تكشف دائما حقيقة الأشياء. تعيد ترتيب الأولويات وتدفع الإنسان إلى إعادة اكتشاف ما هو مهم فعلا. وربما لهذا السبب بدأ كثيرون يدركون أن الطمأنينة ليست رفاهية بل ضرورة إنسانية لا تقل أهمية عن أي مكسب مادي أو تقدم تقني.. فالإنسان مهما امتلك يظل في النهاية بحاجة إلى شعور داخلي بالأمان. بحاجة إلى عالم أقل صخبا وإلى خطاب أكثر عقلانية وإلى علاقات إنسانية لا تحكمها المصالح وحدها. فالحياة التي تبنى فقط على السرعة والمنافسة والضغط المستمر قد تنجح اقتصاديا لبعض الوقت لكنها ترهق الروح على المدى البعيد.. ربما لهذا أصبحت الطمأنينة أمنية عالمية. ليس لأن البشر ضعفوا بل لأن العالم نفسه أصبح أكثر قسوة وتعقيدا. وبين ضجيج السياسة وتقلبات الاقتصاد وتسارع التكنولوجيا يقف الإنسان باحثا عن شيء يبدو بسيطا في ظاهره لكنه عميق في معناه: أن يشعر بالأمان.. وفي النهاية قد لا تكون المشكلة في العالم وحده بل في الطريقة التي أصبحنا نعيش بها داخله. فكلما ازدادت الفوضى من حولنا ازدادت حاجتنا إلى التوازن. وكلما ارتفع صوت القلق أصبح البحث عن الطمأنينة شكلا من أشكال النجاة.
