حين تتعب الإمبراطوريات من الحرب بقلم: شحاته زكريا

1

ليست كل الحروب تبدأ بصوت المدافع ولا كل التسويات تولد على موائد السلام. أحيانا تصل الدول الكبرى إلى لحظة إرهاق تاريخي تكتشف فيها أن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع وأن القوة وحدها لم تعد قادرة على صناعة النصر الكامل. هنا تحديدًا يمكن قراءة المشهد الملتبس بين واشنطن وطهران لا باعتباره صراعا على وشك الانفجار بل باعتباره صراعا يبحث عن طريقة تمنع الانفجار دون أن تعترف الأطراف بهزيمتها السياسية أو المعنوية.. الولايات المتحدة تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة سهلة للحروب المفتوحة كما كان في العقود الماضية. العالم تغير والاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل مغامرات طويلة تستنزف الطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد كما أن الداخل الأمريكي نفسه أصبح أكثر حساسية تجاه أي حرب جديدة قد تعيد مشاهد العراق وأفغانستان بصورة أخرى أكثر تعقيدًا.
أما إيران فهي أيضا ليست في أفضل حالاتها. العقوبات أنهكت الاقتصاد والضغوط الداخلية تتزايد لكن النظام الإيراني يعرف جيدا كيف يعيش داخل الأزمات بل وكيف يحول الحصار أحيانا إلى أداة لإعادة إنتاج تماسكه الداخلي. ولهذا تبدو طهران حريصة على عدم الذهاب إلى مواجهة شاملة دون أن تقدم في الوقت نفسه تنازلات تفسر باعتبارها سقوطًا سياسيًا أو تراجعًا استراتيجيا.. الحقيقة الأهم أن الطرفين يفاوضان بعضهما البعض وهما يحملان السلاح لكنهما يخشيان استخدامه بالكامل. إنها معادلة الردع المتبادل في نسختها الشرق أوسطية حيث لا أحد يملك رفاهية الحرب الكاملة ولا يملك أيضا شجاعة السلام الكامل.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التصريحات المتناقضة التي تصدر من واشنطن أو طهران بين الحين والآخر. خطاب مرتفع السقف أمام الإعلام ورسائل أكثر هدوءا خلف الكواليس. تهديدات علنية يقابلها تفاوض غير معلن. وكأن الجميع يؤدي أدوارا محسوبة بدقة أمام جماهير الداخل بينما تدور اللعبة الحقيقية بعيدا عن الكاميرات.. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اعتاد تسويق نفسه باعتباره رجل الحسم والصفقات الكبرى يبدو اليوم أكثر إدراكا لتعقيدات المشهد. فهو يعرف أن أي ضربة عسكرية واسعة ضد إيران قد تشعل المنطقة كلها وليس فقط حدود الاشتباك التقليدية. الخليج وأسواق النفط والممرات البحرية وحتى الاقتصاد الأمريكي نفسه جميعها قد تدفع ثمن قرار يبدو في ظاهره استعراضا للقوة لكنه في جوهره مقامرة مفتوحة على المجهول.. ولهذا لم يعد مستغربا أن تتحول لغة الضغط الأقصى تدريجيًا إلى سياسة الاحتواء الطويل .. حصار اقتصادي، عقوبات متجددة، رسائل ردع، ثم ترك الباب مواربا أمام التفاوض. فواشنطن لا تبحث الآن عن إسقاط النظام الإيراني بقدر ما تسعى إلى إدارة سلوكه وتقليص نفوذه ومنع توسعه النووي والعسكري.. في المقابل تلعب إيران لعبتها التقليدية بمهارة الصبر الطويل. تراهن على الوقت وعلى تغير الإدارات الأمريكية وعلى تآكل الإرادة الغربية تدريجيا. وهي تدرك أن خصومها الإقليميين رغم قلقهم من مشروعها يخشون أيضا انفجارا واسعا قد يحول المنطقة إلى ساحة فوضى مفتوحة لعقود.. اللافت في المشهد الحالي أن القوى الإقليمية أصبحت أكثر ميلا للتهدئة من أي وقت مضى. دول الخليج التي عاشت سنوات طويلة تحت ظلال التوتر، باتت تدرك أن التنمية والاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن يزدهرا فوق حقول النار. لذلك تحاول هذه الدول لعب دور الوسيط أحيانا أو على الأقل دور كابح الانفجار لأن الجميع يعلم أن الحرب هذه المرة لن تكون محدودة النتائج أو قصيرة العمر.. لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في احتمالات الحرب بل في غياب مشروع سياسي قادر على إنتاج تسوية مستقرة. فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية مرتبكة تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية التقليدية دون أن تظهر قوة بديلة قادرة على فرض نظام دولي جديد. وفي مثل هذه الفترات تصبح الأزمات أكثر قابلية للاشتعال لأن موازين القوة نفسها تكون في حالة سيولة وعدم يقين.
ولهذا فإن ما يحدث بين واشنطن وطهران ليس مجرد خلاف حول الملف النووي أو النفوذ الإقليمي بل هو جزء من معركة أوسع لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في عالم يتغير بسرعة. الصين تراقب وروسيا تناور وأوروبا تحاول حماية مصالحها، بينما تقف المنطقة العربية وسط هذا الزحام الدولي وكأنها ساحة اختبار دائمة لصراعات الآخرين.. ورغم كل التصعيد الإعلامي تبدو الحقيقة الأقرب أن الطرفين لا يريدان الحرب الآن. ليس حبا في السلام وإنما خوفا من المجهول. فالحروب الكبرى حين تبدأ لا تسأل أحدا عن حساباته القديمة وغالبا ما تنتهي بنتائج تختلف تماما عن توقعات من أشعلوها.
ربما لهذا السبب تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش هدنة مؤقتة أكثر من كونها سلاما حقيقيا. هدنة تدار بالخوف وبالمصالح وبإدراك الجميع أن الانفجار الكامل قد يُسقط المنتصر قبل المهزوم.. وفي عالم كهذا تصبح السياسة ليست فن تحقيق الانتصار بل فن تأجيل الكارثة.