د. ماك شرقاوي يكتب: إثيوبيا تنتفض ضد آبي أحمد.. ومصر توافق على سد فولو في جنوب السودان

2

يشهد القرن الأفريقي في الأسابيع الأخيرة تطورين متزامنين يمسّان الأمن المائي المصري مباشرة: موافقة القاهرة على مشروع سد «جراند فولو» الكهرومائي في جنوب السودان، وإعلان سبع قوى مسلحة إثيوبية تحالفاً يستهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. وأقرأ الحدثين هنا معاً، لأنهما في رأيي يكشفان الفارق بين نموذجين في إدارة مياه النيل: نموذج التشاور والشراكة، ونموذج الأمر الواقع.

سد فولو: ماذا قال وزير جنوب السودان فعلاً؟

أثار تصريح لوزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، أجوك ماكور، جدلاً واسعاً بعد تداول مقطع منه يقول فيه إن بلاده «لا تخاف من مصر». غير أن المقطع المتداول اقتُطع من سياقه: سبع ثوانٍ من تصريح مدته نحو دقيقة. أما التصريح كاملاً فيقول إن جنوب السودان دولة ذات سيادة من حقها بناء السدود، وإن المشروع عُرض على مجلس الخبراء الحكوميين لدول حوض النيل الذي وافق على 34 مشروعاً من بينها هذا السد، وإن مصر كانت من الدول الموافقة بعد اطلاعها على الدراسات وخطة إدارة السد.

والسد كهرومائي؛ أي أن توربيناته لا تعمل إلا بمرور المياه، فلا يترتب عليه أي ضرر على حصة مصر. وكل ما نحتاجه في القاهرة هو معرفة مواعيد الحجز والتصريف، حتى لا تحدث فيضانات مفاجئة عند إخوتنا في السودان، أو ارتفاع غير متوقع في المنسوب يغمر أراضي طرح النيل عندنا في مصر. وقد أكد وزير الري هاني سويلم في مؤتمر صحفي هذا الموقف.

وأضع هذه الموافقة في سياق أوسع من التعاون المصري مع دول الحوض: سد تنزانيا الذي تكفلت مصر بتكلفته البالغة 2.9 مليار دولار على أن تُسترد من عوائد الكهرباء، ودعم أوغندا في مشروع سد بقيمة مئة مليون دولار تنفذه شركات مصرية. والرسالة واضحة: مصر لم تكن يوماً ضد أي دولة أفريقية تسعى إلى التنمية دون الإضرار بأشقائها.

الأمن المائي المصري: أرقام الشح وكيف نتصرف

حصتنا من المياه 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، في حين نحتاج إلى نحو 150 مليار متر مكعب حتى لا نعاني من الشح. ولمواجهة هذه الفجوة اتخذت الدولة جملة من الإجراءات، أبرزها وقف تسرب المياه إلى البحر المتوسط عبر سد فارسكور وما يرتبط به، بما وفّر نحو 20 مليار متر مكعب، إلى جانب تبطين الترع، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي أكثر من مرة، وشق نهر صناعي بطول نحو 170 كيلومتراً لري قرابة مليونين ونصف المليون فدان في مشروع الدلتا الجديدة. النيل حياتنا، وهذا أمر لا نقاش فيه.

إثيوبيا: تحالف سبع قوى مسلحة ضد حكومة آبي أحمد

على الجانب الآخر من الحوض، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، من بينها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وقوات «فانو» في أمهرة وجيش تحرير أورومو، تحالفاً هدفه الإطاحة بحكومة آبي أحمد. ومناطق عمليات هذه القوى باتت تفوق مساحة المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، ومن بينها السيطرة على مطار ميكيلي.

وجذور الأزمة أعمق من اللحظة الراهنة؛ فإثيوبيا دولة يسكنها نحو 120 مليون نسمة، وتتكون من تسعة أقاليم، أرى أن سبعة منها مهيأة للانفصال. والانتخابات الأخيرة لم تُجرَ في كل أنحاء البلاد، بل في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة فقط، وغابت عن أجزاء واسعة من أمهرة وأورومو، علماً بأن شعب الأورومو وحده يقارب 40 مليون نسمة.

سد النهضة: وعود التنمية وحساب الكهرباء

وأطرح على أخي الإثيوبي سؤالاً مباشراً: أين الكهرباء التي وُعدت بها منذ بدء بناء سد النهضة؟ الكهرباء لا تغطي سوى نحو 40% من احتياجات بلدك، وثلثها يُباع لقرابة 34 شركة تعمل في تعدين عملة البيتكوين، وهو نشاط يستهلك الطاقة بشراهة لتشغيل الحواسيب الفائقة وتبريدها، في حين يواجه قرابة 800 ألف إثيوبي خطر المجاعة، لولا المساعدات التي تقدمها السعودية والإمارات.

وما لا يعرفه كثيرون أن مصر عرضت على الحكومة الإثيوبية استكمال بناء السد، وإصلاح عيوبه الإنشائية، وتركيب 13 توربيناً تنتج نحو 5.8 غيغاواط، ومدّ شبكة الربط الكهربائي المصرية التي وصلت إلى السودان حتى موقع السد، وشراء الكهرباء المنتجة. كما عرضنا ضم إثيوبيا إلى المبادرة المصرية للمزارع المشتركة القائمة في تسع دول أفريقية. وقوبل العرضان بالرفض. بل إن جولة مفاوضات استضافتها أبوظبي عرضت على أديس أبابا استثمارات زراعية ضخمة مقابل توقيع اتفاق ملزم مع مصر والسودان، فقبلت الاستثمارات ورفضت الاتفاق.

في عام 2019، قلت على قناة الجزيرة إن سد النهضة «سد فنكوش»، أي مشروع يُروَّج له بلا قيمة حقيقية. والمفارقة أن الفائدة الفعلية الوحيدة لهذا السد تعود علينا نحن في مصر والسودان: حماية السودان من فيضانات المواسم، وحماية أراضي طرح النيل في مصر من الغرق. وقد خرج مسؤول إثيوبي ليقول صراحة إن السد لم يُبنَ لتوليد الكهرباء، بل للتحكم في المياه المتجهة إلى مصر والسودان.

رسالة إلى أخي الإثيوبي

أقولها بوضوح: مصر لا تعادي الشعب الإثيوبي. نحن لا ننسى أن ملك الحبشة العادل استقبل المسلمين في الهجرة الأولى وحماهم، ولا ننسى ما يجمعنا من روابط ممتدة مع الكنيسة القبطية. والاتهامات بأن مصر تقف وراء ما يجري في إثيوبيا ظلم؛ فتفكك إثيوبيا إلى سبع دويلات ليس من مصلحتنا على الإطلاق.

وأحذّر من انهيار اتفاق بريتوريا الذي أوقف الحرب في تيغراي. وأدعو إخوتي في إثيوبيا إلى التعبير عن رفضهم بالوسائل السلمية والعصيان المدني وحدها، ولا أدعو إلى أي عنف. فالتاريخ مليء بنماذج انتصرت فيها الإرادة الشعبية السلمية، ومنها المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب في عهد الملك الحسن الثاني. فكّر في مستقبلك ومستقبل أولادك، فالحرب دمار.

شاهد الحلقة كاملة على يوتيوب: