د.ماك شرقاوي يكتب: تصريحات توم باراك والضربة الأمريكية علي إيران
أثارت التصريحات الأخيرة لـ توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث المكلف بالملف السوري، موجة من التساؤلات حول مستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد حديثه عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية ضد طهران، بالتزامن مع تصعيد الخطاب الإسرائيلي الذي وصل إلى حد التلويح بإسقاط النظام الإيراني. وفي ظل التباين الظاهر بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة الأهداف الحقيقية لأي تحرك عسكري محتمل، وما إذا كان الأمر يندرج ضمن استراتيجية ضغط سياسي لانتزاع تنازلات إيرانية أم أنه مقدمة لمرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي.
1- هل تصريحات باراك تعكس اقتراب ضربة عسكرية فعلية لإيران، أم أنها ورقة ضغط لإجبار طهران على تقديم تنازلات؟
من الصعب اعتبار تصريحات توم باراك مؤشرًا حاسمًا على قرار أمريكي نهائي بشن هجوم عسكري، إذ غالبًا ما تلجأ واشنطن إلى المزج بين التهديد العسكري والضغوط الدبلوماسية لتعزيز أوراقها التفاوضية. وفي هذا السياق، تبدو التصريحات أقرب إلى رسالة ردع موجهة إلى طهران، تهدف إلى دفعها نحو تقديم تنازلات في الملفات العالقة، خصوصًا ما يتعلق بالبرنامج النووي ودورها الإقليمي.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد الخيار العسكري بالكامل، لأن مجرد إبقاء هذا الاحتمال مطروحًا يشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط الأمريكية. لذلك يمكن القول إن تصريحات باراك تحمل بعدين متوازيين: التلويح باستخدام القوة من جهة، ورفع سقف الضغوط السياسية من جهة أخرى.
2- كيف تفسر التباين بين تهديدات نتنياهو بإسقاط النظام الإيراني وتأكيد واشنطن أنها لا تسعى إلى تغييره؟ وهل يعكس خلافًا حقيقيًا في الأهداف؟
يبدو أن هناك اختلافًا في المقاربة أكثر منه خلافًا جذريًا في الأهداف الاستراتيجية. فإسرائيل ترى أن جوهر التهديد يكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه، ولذلك يبرز في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحديث عن إسقاط النظام أو إضعافه بصورة جذرية.
أما الولايات المتحدة فتتبنى موقفًا أكثر حذرًا، مستفيدة من دروس تجارب سابقة في الشرق الأوسط أظهرت أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يقود إلى فراغ سياسي وأمني يصعب التحكم في نتائجه. لذلك يركز الخطاب الأمريكي على تغيير السلوك الإيراني لا على تغيير النظام نفسه.
وعليه، فإن الطرفين يتفقان على ضرورة الحد من النفوذ الإيراني وتقليص قدراته، لكنهما يختلفان بشأن الوسائل والنتائج النهائية المطلوبة.
3- إذا كانت واشنطن لا تستهدف إسقاط النظام، فما الأهداف التي يمكن أن تسعى لتحقيقها من أي ضربة عسكرية، وما حدود التصعيد المتوقع؟
في حال قررت الولايات المتحدة تنفيذ ضربة عسكرية، فمن المرجح أن تكون أهدافها محدودة ومحددة بدقة، وتتمثل في:
•تدمير أو إضعاف منشآت عسكرية أو نووية معينة.
•تعزيز قوة الردع الأمريكية وإظهار الجدية في مواجهة التحديات الإيرانية.
•تقليص قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين.
•دفع القيادة الإيرانية إلى العودة للمفاوضات من موقع أضعف.
•منع أي خطوات قد تقرب إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية.
أما من حيث حدود التصعيد، فمن المستبعد أن تتجه واشنطن نحو حرب شاملة أو عملية تهدف إلى إسقاط النظام، لأن ذلك سيستلزم كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية مرتفعة. وبالتالي فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في ضربات محدودة ومركزة مع السعي إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
4- هل يمكن أن تدفع ضربة أمريكية محدودة إيران إلى العودة للمفاوضات، أم أنها قد تفتح الباب أمام مواجهة إقليمية يصعب احتواؤها؟
النتيجتان تبقيان محتملتين في الوقت نفسه. فمن ناحية، قد تدفع الضربة المحدودة إيران إلى إعادة تقييم موقفها والعودة إلى طاولة المفاوضات إذا رأت أن كلفة التصعيد ستكون مرتفعة على مصالحها الاستراتيجية.
لكن من ناحية أخرى، فإن أي عمل عسكري ضد إيران يحمل خطر سوء التقدير والتصعيد المتبادل. فطهران قد تجد نفسها مضطرة للرد حفاظًا على هيبتها ومصداقية ردعها، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة لتشمل أكثر من ساحة إقليمية.
لذلك فإن نجاح أي ضربة محدودة في تحقيق أهدافها السياسية يعتمد على قدرة جميع الأطراف على ضبط ردود الفعل ومنع تحول التصعيد التكتيكي إلى أزمة استراتيجية واسعة النطاق.
خاتمة
في المحصلة، تعكس تصريحات توم باراك استمرار سياسة الضغط القصوى على إيران أكثر مما تعكس بالضرورة قرارًا نهائيًا بالحرب. وبينما تتبنى إسرائيل خطابًا أكثر حدة يدفع باتجاه إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، تبدو الولايات المتحدة أكثر تركيزًا على تعديل سلوك طهران واحتواء نفوذها دون الانخراط في مشروع تغيير النظام. ومع ذلك، يبقى هامش الخطأ في الحسابات مرتفعًا، ما يجعل أي تحرك عسكري، حتى لو كان محدودًا، محفوفًا بإمكانية فتح مسار تصعيد إقليمي قد تتجاوز تداعياته الأهداف التي سعت الأطراف إلى تحقيقها في البداية.،
فهل سبدفع ترامب ضريبة غالية الثمن يدفع ثمنها خلال الانتخابات
د ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الأميركي
