د. ماك شرقاوي يكتب: الجزائر في عزلة دولية.. الأسباب الحقيقية لقطع العلاقات مع الإمارات
قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأعلنت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية أن القرار جاء «بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على علاقات طبيعية». وأرى أن القرار ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في مسار عزلة إقليمية ودولية متزايدة تعيشها الجزائر، تفقد فيها الأصدقاء يوماً بعد يوم، حتى بين حلفائها التقليديين وفي مقدمتهم روسيا.
الملفات المعلنة للخلاف
تتداول وسائل الإعلام سبعة ملفات خلافية بين البلدين: دعم الإمارات للمغرب ولسيادته على الصحراء المغربية، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل وتعاونها التجاري والاستخباراتي معها، ودعمها لدول الساحل والصحراء مثل مالي والنيجر، واتهامات جزائرية لها بدعم انقلابات وتهديد الأمن القومي الجزائري، والتباين في الملف الليبي حيث تدعم الجزائر حكومة طرابلس بقيادة الدبيبة مقابل دعم الإمارات لحكومة الشرق بقيادة خليفة حفتر، إلى جانب الأزمة السودانية، واتهامات تتعلق بالعلاقة بين العرب والأمازيغ.
لكن بعض هذه الاتهامات لا يصمد أمام الوقائع. ففي الملف الليبي، تدعم مصر خليفة حفتر أيضاً دون أن تتخذ الجزائر أي موقف منها. وفي الملف السوداني، أعلنت الإمارات مؤخراً أن الحل في السودان لا يمكن أن يكون عسكرياً، ولا بد أن يكون حلاً مدنياً لا يكون أطرافه من العسكريين، لا البرهان ولا حميدتي. أما ملف الأمازيغ، فهم أصل الجزائر وليسوا مشروعاً مستورداً. ومع ذلك، أنا ضد تقسيم الدول، وأؤيد الحكم الذاتي بديلاً عن الانفصال.
الحساب الاقتصادي: 160 مليار دولار على المحك
تحدثت قبل نحو ستة أشهر عن استثمارات إماراتية في الجزائر تبلغ 112 مليار دولار مهددة بالانسحاب، يضاف إليها نحو 30 مليار دولار قيمة عقود تشغيل أربعة موانئ جزائرية مع شركتي موانئ دبي وموانئ أبوظبي لمدة 30 عاماً. ومع الغرامات والتعويضات والتحكيم الدولي، أقدّر أن الرقم الإجمالي قد يصل إلى نحو 160 مليار دولار.
وأحذّر من الاعتقاد بأن قطع العلاقات يعفي الدولة من التزاماتها، فالمجتمع الدولي يحكمه منطق العقود والتحكيم، ولنا في تجربة سريلانكا عبرة، وهي التي اضطرت إلى التنازل عن ميناء لصالح الصين بسبب الديون. ولا ننسى تجربة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في سوق الاتصالات الجزائرية، التي خسر فيها نحو 560 مليون دولار.
وفي المقابل، لم ينشر الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإماراتية أي خبر عن القطيعة، واكتفى بأخباره المعتادة، في حين نقلت وكالة رويترز أن الجزائر بدأت إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات.
التطبيع: بين الخطاب والتجارة
أتوقف هنا عند التناقض بين الخطاب الجزائري الذي يهاجم «المطبعين»، وبين بيانات التجارة الدولية. فبحسب البيانات المنشورة على منصة الأمم المتحدة منذ عام 2017، وتقرير لقناة i24 News، تحتل الجزائر المرتبة الرابعة بين الدول العربية المصدّرة للبضائع إلى إسرائيل، بعد مصر والأردن والإمارات. والفارق بين الحالتين واضح: فالدول الثلاث ترتبط باتفاقيات موقعة تحقق لها مصالح اقتصادية واضحة، مثل اتفاقية الكويز التي تفتح لمصر السوق الأمريكية.
وأذكّر أيضاً بتصريح الرئيس الجزائري لصحيفة لوموند الفرنسية قال فيه إن الجزائر لا تمانع في السلام مع إسرائيل إذا قامت الدولة الفلسطينية، وإلى الخطاب الجزائري الذي يطالب مصر بفتح الحدود مع غزة، في حين أن مصر لا تملك سوى معبر واحد من أصل سبعة معابر، وأن الطرق إلى فلسطين تمر أيضاً عبر الأردن وسوريا ولبنان.
الصحراء المغربية ومستقبل بعثة المينورسو
أرى أن ملف الصحراء يقترب من منعطف حاسم. ففي 31 أكتوبر، بعد اجتماعات الجمعية العامة، تقدّم اللجنة الرابعة تقريرها، ويجتمع مجلس الأمن لاتخاذ قرار بشأن بعثة المينورسو. وأتوقع أن تُنهى مهمة الاستفتاء التي عجزت البعثة عن تنفيذها طوال 35 عاماً منذ تأسيسها عام 1991، إذ لم تتمكن من دخول مخيمات تندوف لإحصاء السكان، مع احتمال تجديد الشق العسكري وحده، في ظل ضغط أمريكي على بعثات حفظ السلام غير الفاعلة، علماً بأن الولايات المتحدة تتحمل 25% من تمويلها.
قصة خط الغاز: كيف انقلبت المعادلة
وهنا أستعيد قصة خط الغاز المغاربي الأوروبي. ففي تسعينيات القرن الماضي، اقترحت الجزائر على المغرب إنشاء خط ثالث لتصدير الغاز إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية، مستفيدة من قرب مضيق جبل طارق. وموّل كل طرف الجزء المار في أراضيه، مع مساهمة إسبانية وتمويل أوروبي، وكان المغرب يحصل على نحو 5% من الغاز رسوماً للعبور، بينما يذهب 95% إلى إسبانيا.
وعندما قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب عام 2021 وأوقفت الغاز عبر هذا الخط، كان المتضرر الأول في رأيي هو إسبانيا لا المغرب، فحصلت إسبانيا على تعويضات عن العقد الملغى. ثم أصبح المغرب يستورد الغاز من إسبانيا عبر الأنبوب نفسه، في الاتجاه المعاكس. وفي الأثناء طوّر المغرب قدرة إنتاجية تقارب 30 غيغاواط من طاقة الرياح والشمس والهيدروجين الأخضر، وأنجز ربطاً كهربائياً مع موريتانيا.
وقارن ذلك بإلغاء مشروع خط الغاز من نيجيريا عبر النيجر والجزائر إلى إسبانيا، مقابل المضي في خط الغاز النيجيري المغربي الذي يمر بإحدى عشرة دولة أفريقية، وتبلغ تكلفته 25 مليار دولار، وينقل نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، مع تفرعات لكل دولة يمر بها، في إطار المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لتنمية دول القارة.
خلاصة
خلاصة القول إن أسباب القطيعة مع الإمارات أعمق مما يُقال في الإعلام، وأن الجزائر تدفع ثمن سياسات تعمّق عزلتها، في وقت يوسّع فيه جيرانها شراكاتهم الإقليمية والدولية. وأتوقع أن تسلك الإمارات طريق الوساطات لا التصعيد، دون أن أستبعد لجوءها إلى التحكيم الدولي لحماية استثماراتها. وأدعو الله أن يحفظ إخوتي في الجزائر ويبعد عنهم الشر، فهذا الشعب الطيب لا يستحق ما آلت إليه أوضاعه.
شاهد الحلقة كاملة على يوتيوب:
