د.ماك شرقاوي يكتب: مضيق هرمز في عين العاصفة: بين “مشروع الحرية” والحسابات الكبرى

0

لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد ممرٍّ مائي ضيق تفصله عن العالم الواسع بضعة كيلومترات من المياه الزرقاء. كان دائماً، ولا يزال، الوريد النابض للاقتصاد العالمي، والمحور الذي تدور حوله توازنات القوى في الشرق الأوسط. وفي عام 2026، تحوّل هذا المضيق إلى ميدان مواجهة مكشوفة بين واشنطن وطهران، وكشف للعالم أجمع هشاشة النظام الدولي حين تُقرَع طبول الحرب في الخليج.
الشرارة والحريق
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتٍ عسكرية مشتركة على الأراضي الإيرانية. لم تنتظر طهران طويلاً؛ فردّت بعنفٍ حسابي مُتعمَّد، مُطلقةً صواريخها ومسيّراتها نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية ودول الخليج، ثم أعلنت ما هو أشدّ وطأةً: إغلاق مضيق هرمز. في الرابع من مارس، أعلن الحرس الثوري الإيراني “سيطرةً كاملة” على المضيق، وبدأ في زرع الألغام البحرية التي حوّلت الممر الحيوي إلى منطقة موت.
كانت الضربة موجعةً للعالم بأسره؛ فعبر هذا المضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه أربعةً وثلاثين كيلومتراً، يمر ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً. وما إن أُغلقت بواباته، حتى انطلق خبر الكارثة كالنار في الهشيم؛ فهوت الأسواق وارتفعت الأسعار، وتحوّل الهلع من وول ستريت إلى طوكيو مروراً بلندن وفرانكفورت.
“مشروع الحرية”: بين الإعلان والواقع
على مسرح هذا التوتر المتصاعد، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليُعلن عبر منصته “تروث سوشال” عن مبادرةٍ سمّاها “مشروع الحرية”، مُؤكّداً أن دولاً عديدة استنجدت بواشنطن لتحرير سفنها العالقة في المضيق، وأن البحرية الأمريكية ستُرافق هذه السفن وتُخرجها بأمان. بدا الإعلان كأنه صفعةٌ لطهران وتطمينٌ للحلفاء في آنٍ واحد.
غير أن الواقع كان أكثر تعقيداً مما أوحى به الخطاب الرئاسي. فما إن بدأت العملية حتى اشتبكت القوات الأمريكية والإيرانية في تبادل لإطلاق النار، ليُثير ذلك تساؤلاتٍ جدية حول مصير وقف إطلاق النار الهشّ الذي كان قائماً. وفي فجر السادس من مايو، فاجأ ترامب العالم بإعلان تعليق “مشروع الحرية” مؤقتاً، مُحيلاً القرار إلى “طلب باكستان ودول أخرى” والرغبة في فتح الباب أمام اتفاق نهائي مع طهران.
لكن ما خفي كان أعظم؛ إذ كشفت مصادر أمريكية موثوقة أن الرياض مارست ضغوطاً مباشرة على واشنطن، معترضةً على إطلاق العملية دون تنسيق مسبق معها. هكذا بات جلياً أن “مشروع الحرية” لم يسقط في مواجهة الصواريخ الإيرانية فحسب، بل سقط أيضاً في متاهة الحسابات الخليجية المعقدة.
الفاتورة الاقتصادية: من يدفع الثمن؟
أما الفاتورة الاقتصادية، فكانت باهظةً بكل المقاييس. قفزت أسعار خام برنت إلى ما فوق 120 دولاراً للبرميل، بل تجاوزت في بعض اللحظات 150 دولاراً، فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بـ”أشد صدمة لإمدادات النفط في التاريخ”. وتراجعت التدفقات عبر هرمز من 20 مليون برميل يومياً إلى 3.8 مليون فحسب، في حين حذّر صندوق النقد الدولي من تجاوز معدل التضخم العالمي 4.4% وتراجع النمو إلى 3.1%.
ولم تقتصر الأزمة على أسواق الطاقة؛ فقد طالت تداعياتها قطاع الغذاء أيضاً، حيث حذّرت منظمة الأغذية والزراعة الأممية من أن الأزمة أضعفت الأمن الغذائي لنحو 44 مليون إنسان إضافي حول العالم. وفي عالمٍ لم يتعافَ بعد من موجات التضخم السابقة، جاءت أزمة هرمز لتُضيف جرحاً جديداً على جراحٍ لم تندمل.
الصين: الاستثناء اللافت
في زحمة هذه المشاهد المضطربة، بدت الصين كأنها تنظر إلى المشهد من نافذة دافئة. فبفضل استراتيجية طويلة الأمد بدأت منذ التسعينيات، بنت بكين احتياطيات نفطية ضخمة تجاوزت 1.4 مليار برميل، واستعاضت عن المضيق بخط أنابيب روسي برّي وميناء جوادر الباكستاني. ولم تتوقف مصانعها ولم تنهر سلاسل إمدادها، في مشهدٍ أكّد أن الاستعداد المبكر هو خير درعٍ في مواجهة الأزمات.
إلى أين؟
تتواصل مساعي التسوية الدبلوماسية، وتُشير التصريحات إلى تقدّمٍ في المفاوضات بين واشنطن وطهران. وإذا نجحت هذه المساعي في التوصل إلى اتفاق شامل، فإن أسعار النفط قد تعود إلى مستويات معقولة بين 70 و80 دولاراً. أما إذا تعثّرت، فإن العالم قد يقف على أعتاب موجةٍ جديدة من الصدمات، تطال الأسواق والشعوب على حدٍّ سواء.
في نهاية المطاف، يظل مضيق هرمز ما كان عليه دائماً: مرآةً تعكس حدّة التناقضات الدولية، وميزاناً دقيقاً تُوضع عليه مصالح الأمم وآمال الشعوب. وحين يشتعل هذا المضيق، لا يحترق وحده — بل يُحرق معه جزءاً من استقرار العالم.

بقلم: د. ماك شرقاوي
الماتب الصحفي والمحلل السياسي
المتخصص في الشأن الأميركي