د.وئام عثمان تكتب : الحرب الترامبية وإعادة الهندسة الشرق أوسطية… من الهيمنة الأمريكية إلى الأحادية الصينية:

قراءة في خرائط النفوذ الجديدة بين الصواريخ وحروب الهوية

2

لماذا التزمت الصمت؟
التزمت الصمت طوال فترة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية، منذ لحظة اندلاعها وحتى الإعلان عن التفاهمات التي وضعت حدًا للتصعيد العسكري، ليس لأن المشهد كان واضحًا أو بسيطًا، بل لأنني كنت على يقين بأن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية بين أطراف الصراع.

فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تُقاس بنتائج المعارك فقط، بل بما تتركه من آثار استراتيجية تعيد رسم الخرائط السياسية والاقتصادية والأمنية لعقود طويلة. ومن هذا المنطلق، لم أتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية منفصلة، بل باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من مشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهي مشروعات لم تتوقف يومًا، وإنما خضعت باستمرار لعمليات تحديث وتطوير تتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية بما يضمن استمرار أهدافها الأساسية.

وقد يبدو هذا الطرح للبعض أقرب إلى الجدل الفكري، لكن قراءة التاريخ الحديث للمنطقة تكشف أن كل مرحلة من مراحل التحول الكبرى كانت تسبقها أو تصاحبها أزمات وصراعات تؤدي في النهاية إلى إعادة توزيع النفوذ والثروات وموازين القوى.

ومن هنا، فإن السؤال الذي شغلني طوال فترة الحرب لم يكن: من انتصر ومن انهزم؟ بل كان: ما الذي تغير؟ وما الذي يراد للمنطقة أن تصبح عليه بعد انتهاء الحرب؟

استمرارية الفكرة وتغير الآليات…

منذ اتفاقية سايكس–بيكو وحتى مشروعات “الشرق الأوسط الجديد”، لم تتغير الغاية الأساسية المتمثلة في إدارة التوازنات الإقليمية بما يحافظ على مصالح القوى الكبرى، وإن تغيرت الوسائل والآليات.

فإذا كانت القوة العسكرية المباشرة هي الأداة المفضلة في القرن العشرين، فإن القرن الحادي والعشرين شهد انتقالًا تدريجيًا إلى أدوات أكثر تعقيدًا تشمل:

* الضغوط الاقتصادية.
* العقوبات المالية.
* التحكم في سلاسل الإمداد العالمية.
* توظيف الإعلام والمنصات الرقمية.
* حروب المعلومات والسرديات.
* إدارة ملفات الهجرة واللجوء.
* إعادة تشكيل الهويات والثقافات المحلية.
* توظيف الذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام وإدارة الإدراك.

ولذلك فإن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط على الجبهات العسكرية، بل أصبحت تُدار في الأسواق والبنوك والمنصات الرقمية وغرف صناعة القرار ومراكز إنتاج المعرفة.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كانت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية، أم أنها مثلت فرصة لتحديث آليات مشروعات الشرق الأوسط بما يتلاءم مع التحولات الجديدة في النظام الدولي؟

مصر… محور الارتكاز الاستراتيجي في الشرق الأوسط

إذا كان هناك ثابت واحد في جميع مشاريع إعادة تشكيل المنطقة، فهو أن مصر تبقى في قلب الحسابات.

فمصر ليست فقط أكبر دولة عربية من حيث السكان، بل تمثل مركز الثقل الحضاري والسياسي والاستراتيجي للعالم العربي، كما أن موقعها الجغرافي وسيطرتها على قناة السويس يجعلانها عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص الشرق الأوسط أو البحر الأحمر أو القرن الأفريقي.

لقد أثبت التاريخ أن كل مشروع نهضوي مصري كان ينعكس بصورة مباشرة على المنطقة العربية بأسرها. وعندما تتقدم مصر اقتصاديًا وسياسيًا، يزداد هامش الحركة والاستقلال لدى الدول العربية، بينما يؤدي تعثرها إلى اتساع مساحة النفوذ الخارجي.

ومن هنا تنطلق فرضية هذا المقال: أن أحد الأهداف غير المعلنة لإعادة تشكيل المنطقة يتمثل في منع تشكل مركز قوة إقليمي قادر على قيادة مشروع تنموي مستقل يحد من التبعية الاقتصادية والسياسية للخارج.

الحرب التي انتهت بترتيبات جديدة…

رغم الخطاب التصعيدي الذي سبق الحرب، ورغم الحديث عن مواجهة وجودية قد تغير وجه المنطقة، فإن نهاية الأزمة جاءت مختلفة عما توقعه كثيرون.

فبدلًا من انهيار شامل أو حرب إقليمية طويلة، انتهى المشهد إلى تفاهمات وترتيبات جديدة أعادت فتح ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار وإعادة التموضع الاستراتيجي.

وهنا يبرز التساؤل:

هل كانت الحرب هدفًا في حد ذاتها، أم كانت أداة لإنتاج واقع سياسي جديد؟

وهل كانت إيران هي الهدف الحقيقي، أم أن الهدف الأوسع كان إعادة ترتيب أولويات المنطقة وإعادة توزيع الموارد والنفوذ بما يتوافق مع مصالح القوى الكبرى؟

بل إن بعض المراقبين يذهبون إلى أبعد من ذلك، متسائلين عما إذا كانت الحرب قد أسهمت في إعادة توجيه الموارد والاستثمارات الإقليمية نحو مسارات جديدة، في الوقت الذي ما زالت فيه ملفات حيوية، مثل إعادة إعمار غزة والتنمية الإقليمية الشاملة، تنتظر حلولًا حقيقية ومستدامة.

الحرب وآليات احتواء القطبية الأحادية الصينية…

إذا كانت الرواية المعلنة للحرب تدور حول الأمن الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني ومستقبل توازنات الردع في المنطقة، فإن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالصراع الدولي على قيادة الاقتصاد العالمي.

فالحرب اندلعت في لحظة تشهد فيها المنظومة الدولية تحولات عميقة، مع استمرار التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية مقابل الصعود الاقتصادي الصيني المتسارع. وخلال العقدين الماضيين، لم تعد الصين مجرد منافس تجاري لواشنطن، بل تحولت إلى مشروع عالمي(احادي القطبية) يسعى إلى إعادة تشكيل شبكات التجارة والاستثمار والبنية التحتية الدولية من خلال مبادرات كبرى، يأتي في مقدمتها مشروع “الحزام والطريق”.

ومن اللافت أن الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي تمثل جميعها مناطق محورية في هذا المشروع الصيني، بما يجعل استقرارها عاملًا أساسيًا في نجاح التمدد الاقتصادي لبكين.

ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير جانب من التحركات الأمريكية في المنطقة باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف الحفاظ على التفوق الأمريكي ومنع انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي بصورة كاملة نحو الشرق. فكلما تعاظمت الشراكات الصينية في الشرق الأوسط، ازدادت أهمية المنطقة في حسابات الأمن القومي الأمريكي.

ولا يعني ذلك أن الحرب قامت فقط لهذا السبب، لكن من الصعب فصلها عن السياق الدولي الأوسع الذي يشهد تنافسًا حادًا بين واشنطن وبكين على النفوذ والتجارة والطاقة والممرات البحرية.

وهنا تكتسب مصر أهمية استثنائية، ليس فقط باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، وإنما باعتبارها أحد أهم الارتكازات الجغرافية لمشروعات الربط التجاري العالمي، من خلال قناة السويس وموقعها الرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ومن ثم، فإن قراءة الحرب باعتبارها مجرد مواجهة أمريكية–إسرائيلية–إيرانية تبدو قراءة ناقصة، ما لم تُربط بالصراع الأكبر حول مستقبل قيادة النظام الاقتصادي العالمي، ومن يمتلك القدرة على رسم خرائط النفوذ خلال العقود القادمة.

حروب الجيل الرابع والخامس… الوجه الجديد للصراع

إذا كانت الصواريخ والطائرات هي الوجه الظاهر للحرب، فإن الوجه الأخطر يتمثل فيما يعرف بحروب الجيل الرابع والخامس.

فاليوم لم يعد استهداف الدولة يقتصر على حدودها الجغرافية أو منشآتها العسكرية، بل أصبح يستهدف الوعي والهوية والانتماء والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ومن وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه الفكري، فإن ما تتعرض له مصر في السنوات الأخيرة يعكس هذا التحول بوضوح.

فبالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والتحديات الإقليمية، برزت مجموعة من الملفات المرتبطة بالهوية الوطنية والوعي المجتمعي، ومنها:

* الجدل المتصاعد حول الهوية الحضارية المصرية.
* السرديات المرتبطة بالأفروسنتريك وإعادة تفسير التاريخ المصري القديم.
* حملات التشكيك في الرموز الوطنية والثقافية.
* تنامي الضغوط المرتبطة بالهجرة غير الشرعية.
* الجدل المتزايد حول قضايا اللجوء والاندماج المجتمعي.
* استهداف التراث المادي وغير المادي والتقليل من قيمته الحضارية.
* تصاعد تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الوعي وإدارة الإدراك العام.

ويرى أصحاب هذه القراءة أن تزامن هذه الملفات مع التحولات الجيوسياسية الكبرى يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الصراعات الجديدة التي تستهدف الدول الوطنية من الداخل عبر التأثير في هويتها وسرديتها التاريخية وقدرتها على الحفاظ على تماسكها المجتمعي.

من الصواريخ إلى حروب الهوية….

أحد أهم التحولات في القرن الحادي والعشرين هو انتقال مركز الثقل من الحروب التقليدية إلى حروب الإدراك والوعي.

فلم يعد امتلاك السلاح وحده كافيًا لتحقيق النفوذ أو فرض الإرادة السياسية، بل أصبحت السيطرة على الرواية والسردية والذاكرة الجمعية جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.
ومن هنا تتحول قضايا التراث والهوية والانتماء إلى جزء من منظومة الأمن القومي.
فالدولة التي تفقد سيطرتها على سرديتها التاريخية تصبح أكثر عرضة للتأثير الخارجي مهما امتلكت من أدوات القوة التقليدية.
ولذلك فإن حماية الهوية الوطنية لم تعد قضية ثقافية فقط، بل أصبحت قضية استراتيجية تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستقلال قرارها الوطني.

القرن الأفريقي الكبير العمق الاستراتيجي للمشهد….

لا يمكن قراءة ما يحدث في الشرق الأوسط بمعزل عن التحولات المتسارعة في القرن الأفريقي.

فالمنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى باب المندب أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الدولي، نظرًا لتأثيرها المباشر على التجارة العالمية وأمن الطاقة والملاحة البحرية.
كما أن ارتباط هذه المنطقة بقناة السويس يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
ومن هنا فإن أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط سيظل مرتبطًا حتمًا بالقرن الأفريقي، باعتباره الامتداد الاستراتيجي الطبيعي لمعادلات النفوذ الجديدة في المنطقة.

الخلاصة……

قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على نتائج الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية، لكن المؤكد أنها كشفت عن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نجحت الحرب الترامبية في إعادة هندسة الشرق الأوسط وتحديث آليات مشروعاته الجيوسياسية؟

ربما لا تكمن الإجابة في ما جرى على جبهات القتال، بل في ما سيحدث خلال السنوات القادمة على مستوى الاقتصاد والهوية والهجرة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ومستقبل مراكز القوة الصاعدة في النظام الدولي.

فالتاريخ يعلمنا أن نتائج الحروب لا تظهر في يوم وقف إطلاق النار، وإنما في الخرائط الجديدة التي ترسمها السنوات التالية.

وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يبقى السؤال الأهم الذي ستحسمه السنوات القادمة أكثر مما تحسمه ميادين القتال:

هل يمثل تراجع الهيمنة الأمريكية، مقابل الصعود الصيني المتسارع، بداية لمرحلة دولية أكثر توازنًا وعدالة؟ وهل تستطيع الصين، عبر أدواتها الاقتصادية وقوتها الناعمة وانتشارها العالمي، أن تقدم نموذجًا مختلفًا للعلاقات الدولية يقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة، ويحقق توازنًا حقيقيًا بين متطلبات الأمن التقليدي للدول وضرورات الأمن الإنساني للشعوب؟

أم أن هذه الرؤية ستظل مجرد أمنيات سياسية ورومانسية سياسية تصطدم بحقائق الصراع الدولي ومصالح القوى الكبرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الشرق الأوسط، بل ستسهم في رسم ملامح النظام الدولي القادم، وتكشف ما إذا كانت خرائط النفوذ الجديدة ستقود العالم نحو نظام أكثر توازنًا وعدالة، أم أنها ستعيد إنتاج الهيمنة ذاتها بأدوات أكثر حداثة وتعقيدًا.

بقلم: أ.د. وئام السيد عثمان
رئيس قسم العلوم السياسية والإدارة العامة – جامعة بورسعيد
weamosman64@yahoo.com