شحاته زكريا يكتب :القوة الناعمة في اختبار صعب .. هل ما زالت مؤثرة؟
في زمن تتقدم فيه صور الحروب على مشاهد الحوار.ويعلو فيه صوت العقوبات على لغة التفاهم يبدو الحديث عن القوة الناعمة وكأنه ترف فكري لا مكان له في عالم يدار بمنطق القوة المباشرة. لكن هذا الانطباع رغم حضوره لا يعكس الحقيقة كاملة فالقوة الناعمة لم تختفي بل تغيرت ساحاتها وتعقدت أدواتها وأصبحت أكثر خفاء وربما أكثر تأثيرا.
القوة الناعمة في جوهرها لم تكن يوما بديلا عن القوة الصلبة بل كانت امتدادا ذكيا لها. هي القدرة على التأثير دون إكراه، وعلى كسب العقول قبل فرض الشروط. ثقافة، إعلام، تعليم نموذج حياة… أدوات تبدو هادئة لكنها قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي لشعوب بأكملها. غير أن العالم اليوم لم يعد كما كان فالتدفق الهائل للمعلومات وصعود المنصات الرقمية.وتراجع الثقة في الخطاب الرسمي كلها عوامل أعادت تعريف معنى التأثير ذاته.. في السابق كانت الرسائل واضحة المصدر.محددة الاتجاه تبث من مركز إلى أطراف. أما اليوم فقد تكسّرت هذه المركزية وأصبح التأثير شبكة معقدة من الأصوات، بعضها رسمي.وكثير منها خارج السيطرة. هنا تحديدا دخلت القوة الناعمة اختبارها الأصعب: كيف يمكن الحفاظ على المصداقية في عالم يشكك في كل شيء؟ وكيف يمكن الإقناع في زمن تتزاحم فيه الروايات وتتنافس فيه الحقائق؟ الأزمة لم تعد في الأدوات بل في الثقة. فالقوة الناعمة تفقد جزءا كبيرا من تأثيرها حين يُنظر إليها باعتبارها أداة دعائية لا تعبيرا صادقا عن قيم حقيقية. ولهذا فإن الدول التي نجحت في الحفاظ على نفوذها الناعم لم تكن تلك التي امتلكت وسائل إعلام أقوى فقط بل تلك التي استطاعت أن تقنع الآخرين بنموذجها لا أن تفرضه عليهم..ومع ذلك لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة وضعت القوة الناعمة تحت ضغط غير مسبوق. فتصاعد الصراعات وعودة الخطابات القومية الحادة وتنامي الشكوك المتبادلة بين الدول كلها عوامل دفعت بالقوة الصلبة إلى الواجهة. في مثل هذا المناخ تبدو الجاذبية الثقافية أقل تأثيرا ويبدو الحوار أقل قدرة على الحسم. لكن السؤال الأهم: هل هذا تراجع حقيقي.أم مجرد تبدل في التوقيت؟
التاريخ يخبرنا أن القوة الصلبة قد تفرض واقعا لكنها لا تضمن قبوله. يمكنها أن تنهي صراعا لكنها لا تبني سلاما مستداما. وهنا تعود القوة الناعمة لتلعب دورها الحاسم ليس كبديل بل كشرط ضروري لأي استقرار طويل الأمد. فالعقول التي لم تقتنع ستظل تبحث عن بدائل والقلوب التي لم تتقبل ستبقى قابلة للاشتعال.. في هذا السياق لم يعد كافيا أن تمتلك الدول صورة جيدة بل أصبح عليها أن تجدد هذه الصورة باستمرار وأن تثبت مصداقيتها بالأفعال قبل الأقوال. فالعالم لم يعد يكتفي بما يقال بل يُدقق فيما يمارس. التناقض بين الخطاب والسلوك أصبح مكشوفا ويكلف صاحبه الكثير من رصيده المعنوي.. كما أن الأفراد أنفسهم أصبحوا فاعلين في صناعة القوة الناعمة لا مجرد متلقين لها. المؤثرون صناع المحتوى الأكاديميون وحتى التجارب الشخصية التي تنقل عبر الشاشات كلها أصبحت أدوات تأثير لا تقل أهمية عن المؤسسات التقليدية. وهذا التحول منح القوة الناعمة بعدا أكثر إنسانية لكنه في الوقت ذاته جعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.. السؤال إذن لم يعد: هل ما زالت القوة الناعمة مؤثرة؟ بل: من يملك القدرة على توظيفها بصدق وذكاء في عالم متغير؟ التأثير اليوم لا يشترى فقط بل يكتسب عبر الثقة ويُبنى عبر التراكم ويفقد بسرعة إذا ما تم استهلاكه بلا وعي.. في النهاية قد تمر القوة الناعمة بمرحلة اختبار لكنها لم تفقد أهميتها. بل ربما أصبحت أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فالعالم الذي أنهكته الصراعات سيبحث عاجلا أم آجلا عن خطاب مختلف عن نموذج يلهم لا يخيف وعن قوة تقنع لا تجبر.
وبينما تتبدل موازين القوى يبقى التأثير الحقيقي هو ذاك الذي لا يفرض… بل يختار.
