قبل أن يُعاد تشكيل النظام الدولي بقلم: شحاتة زكريا
لا يعيد التاريخ نفسه لكنه يعيد ترتيب أوراقه. وما نشهده اليوم ليس مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة بل ملامح مرحلة انتقالية قد تفضي إلى نظام دولي مختلف تتغير فيه موازين القوة وتعاد صياغة التحالفات وترسم خرائط النفوذ وفق معايير لم تكن حاضرة قبل عقد واحد فقط.. فعلى امتداد العقود الماضية بدا العالم وكأنه استقر على قواعد سياسية واقتصادية شبه ثابتة. غير أن السنوات الأخيرة كشفت أن الاستقرار قد يكون أحيانا مجرد هدنة مؤقتة وأن التحولات الكبرى تبدأ غالبا من لحظات تبدو عابرة ثم تتحول إلى واقع جديد يفرض نفسه على الجميع.. الحروب الإقليمية والتنافس المحموم على التكنولوجيا والصراع على الممرات البحرية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والسباق نحو الذكاء الاصطناعي لم تعد ملفات منفصلة بل أصبحت حلقات في معادلة واحدة عنوانها: من يمتلك القدرة على قيادة العالم خلال العقود القادمة؟ لقد تغير مفهوم القوة. فلم يعد التفوق العسكري وحده كافيا لضمان النفوذ كما لم تعد الثروة الطبيعية وحدها تمنح الدولة مكانة متقدمة. القوة اليوم أصبحت مزيجا من الاقتصاد، والتكنولوجيا، والقدرة على الابتكار، وكفاءة المؤسسات وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على بناء الشراكات وامتلاك المعرفة قبل امتلاك الموارد.
ولذلك لم يعد السؤال المطروح هو: من الأقوى؟ بل أصبح: من الأكثر قدرة على التكيف مع عالم سريع التغير؟
الدول التي أدركت هذه الحقيقة مبكرا بدأت تعيد هيكلة اقتصاداتها وتستثمر في الإنسان وتطور صناعاتها وتوسع حضورها في الأسواق العالمية وتبحث عن شركاء جدد بعيدا عن الحسابات التقليدية. أما الدول التي ظلت أسيرة أنماط التفكير القديمة فإنها تجد نفسها اليوم أمام تحديات تتجاوز قدرتها على المواجهة.. وفي الشرق الأوسط تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالمنطقة لم تعد فقط ساحة للصراعات بل أصبحت مركزا لتقاطعات المصالح الدولية حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ وتبحث عن موطئ قدم في معادلات الطاقة، والاستثمار، والتجارة، والأمن البحري. ولهذا فإن قراءة المشهد من زاوية واحدة لم تعد كافية لأن ما يحدث في هذه المنطقة يتجاوز حدودها ويؤثر في الاقتصاد العالمي كما يؤثر في الأمن الدولي.. وسط هذه المتغيرات تبرز قيمة الدولة التي تمتلك رؤية طويلة المدى، وتتعامل مع الأحداث باعتبارها فرصا بقدر ما تحمل من تحديات. فالتخطيط لم يعد رفاهية بل أصبح شرطا للبقاء في عالم تتغير قواعده بسرعة غير مسبوقة.. إن إعادة تشكيل النظام الدولي لن تتم بقرار سياسي واحد ولن تعلن في مؤتمر عالمي وإنما ستتشكل تدريجيا عبر مسارات الاقتصاد والتكنولوجيا، والتحالفات، والاستثمارات، والنفوذ الثقافي، والقدرة على التأثير. وعندما تكتمل الصورة سيكتشف العالم أن النظام الجديد بدأ يتشكل منذ سنوات بينما كان كثيرون منشغلين بمتابعة العناوين اليومية.. ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه المرحلة أن المستقبل لا ينتظر المترددين. فالأمم التي تراهن على العلم وتبني اقتصادا قويا وتحسن إدارة مواردها وتستثمر في الإنسان هي التي ستجلس على طاولة صناعة القرار لا على مقاعد انتظار نتائجه.. أما الدول التي تكتفي بردود الأفعال فسوف تجد نفسها مضطرة للتكيف مع قواعد يضعها غيرها في زمن أصبحت فيه المبادرة أثمن من القوة والمعرفة أكثر تأثيرا من السلاح والاقتصاد أكثر قدرة على تغيير موازين العالم من كثير من الجيوش.. وقبل أن يُعاد تشكيل النظام الدولي بصورة كاملة يبقى السؤال الأهم: هل نكتفي بمراقبة المشهد أم نشارك في صناعته؟ الإجابة لن تحدد فقط موقع الدول في الخريطة الجديدة بل ستحدد أيضا مستقبل الأجيال القادمة لأن التاريخ لا يمنح الفرص مرتين ولأن العالم الذي يولد اليوم لن يشبه العالم الذي عرفناه بالأمس.
