محمود دسوقي يكتب: عشوائية النظام العالمي ومصير الدول النامية
تشهد الساحة الدولية حالة من الاضطراب بفعل الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية المتسارعة، الناتجة عن صراع العمالقة للسيطرة على الجغرافيا والثروات؛ لتتجاوز الآلات العسكرية حدود الدول والقارات وتسيطر على عواصم الدول المستضعفة لبسط النفوذ وتحقيق الأمجاد، بينما تدفع شعوب العالم الثالث ضريبة هذه التوترات.
والغريب في هذه المرحلة تحديدا من التاريخ البشري؛ هو عشوائية النظام العالمي؛ واعتماد الدول العظمى على القوة المفرطة لا للدفاع عن أمنها أو مصالحها لكن للسيطرة على ثروات الدول الضعيفة، سواء كانت ثروات نفطية أو معدنية أو حتى مواقع جغرافية مميزة، واللافت للنظر أن الدول المنتهَكة حقوقها وثرواتها والمخترَقة سيادتها عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا لا تزال تؤمن بأن جلّادها هو الأقدر على حمايتها.
الوضع الراهن للنظام العالمي يسير بقوة نحو حرب كبرى بين حُكّام العالم الحقيقيين، وقودها ثروات ومقدّرات وشعوب الدول النامية، هؤلاء المستضعفون في الأرض يضطرون لخوض حروبًا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إنها فقط ضريبة الضعف والتخلّف والاعتماد على الغير، بينما الكبار يسبحون في فلك آخر ويحركون قوالب اللعبة بعيدًا عن أرضهم وشعوبهم حتى لا يطالهم دخان النار.
آن الأوان أن تستفيق دول العالم الثالث، لوقف نزيف التدهور والاضمحلال والحفاظ على ما تبقى منها، ولن يكون ذلك إلا بمحاربة الفساد ونشر العدل وضمان تكافؤ الفرص وهذا يخص الداخل، أما الخارج فيتطلب على وجه السرعة تشكيل تحالفات اقتصادية وسياسية وعسكرية قوية، تضمن لهذه الدول حماية مصالحها وثرواتها ومقدّرات شعوبها، علمًا بأن هذه الجهود وإن بدأت الآن فقد تكون باكورة ثمارها بعد عقود.
إن مخططات الدول الكبرى للعالم الثالث قديمة وضاربة في جذور التاريخ، ومعلومة وليست خفية على الشعوب أو الحكومات، لكن كيفية تجاوزها والتفلُّت من شباكها لا يزال يمثل المعضلة الأصعب بالنسبة لهذه الدول، ويبقى الرهان الأكبر على اعتماد سياسات جديدة للنهوض بهذه الدول سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وكذلك وعي هذه الشعوب وإدراكها بحجم المخاطر التي تحدِّق بها من كل جانب.
محمود دسوقي – كاتب صحفي بمؤسسة الأهرام وباحث أكاديمي
