مصر في أفريقيا.. حين تتحدث المشروعات.. بقلم: شحاته زكريا
في السياسة يمكن أن تبدأ العلاقات ببيان وأن تتطور بزيارة وأن تتعزز باتفاق لكن العلاقات التي تعيش طويلا هي تلك التي تجد طريقها إلى حياة الناس. ولهذا تبدو المشروعات الكبرى أحيانا أكثر قدرة على التعبير عن نوايا الدول من عشرات التصريحات الرسمية.. من هنا تأتي أهمية التجربة المصرية في تنزانيا وتحديدا مشروع سد جوليوس نيريري الذي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إنجاز هندسي شاركت في تنفيذه شركات مصرية.وإنما باعتباره نموذجا عمليا لما يمكن أن تكون عليه علاقة مصر بأفريقيا في مرحلة تتغير فيها قواعد النفوذ والتعاون.. لطالما ارتبط اسم مصر بالقارة الأفريقية بحكم التاريخ والجغرافيا وكان نهر النيل واحدا من أهم الروابط التي جمعت مصر بدول القارة. لكن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في استعادة الحديث عن هذا التاريخ وإنما في تحويله إلى تعاون ملموس يترجم على الأرض إلى مشروعات وفرص وخبرات متبادلة.. وهنا تكمن أهمية ما يحدث في تنزانيا.. فحين تذهب الخبرة المصرية إلى دولة أفريقية للمشاركة في مشروع استراتيجي يخدم التنمية فإن الرسالة تتجاوز حدود المشروع نفسه. إنها تقول إن القاهرة تستطيع أن تكون شريكا في بناء القدرات وأن خبراتها لا تبقى داخل حدودها وإنما يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة لدول شقيقة تبحث عن طريق أسرع نحو التنمية…والأهم أن هذا النوع من التعاون يضع العلاقات المصرية الأفريقية في إطار أكثر واقعية. فالقارة لا تحتاج فقط إلى خطابات تؤكد عمق العلاقات وإنما تحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق وموانئ ومشروعات زراعية وصناعية وبنية أساسية قادرة على فتح أبواب جديدة أمام الاستثمار والعمل…وهذه واحدة من أهم نقاط القوة التي يمكن أن تبني عليها مصر حضورها الأفريقي خلال السنوات المقبلة فمصر تمتلك خبرات تراكمت عبر عقود في تنفيذ المشروعات الكبرى كما تمتلك شركات وكوادر هندسية وفنية تستطيع العمل في بيئات مختلفة وهو ما يمنحها فرصة حقيقية للتحول من دولة تربطها بأفريقيا علاقات سياسية وتاريخية إلى شريك تنموي حاضر على الأرض ولا يعني ذلك أن التنمية يمكن أن تحل محل السياسة لكنها تمنح السياسة أرضية أكثر صلابة. فالمشروع الذي يراه المواطن بعينيه ويستفيد منه في حياته يترك أثرا أعمق من أي رسالة دبلوماسية عابرة وهنا تحديدا تظهر قيمة تجربة سد جوليوس نيريري فهي تفتح الباب أمام سؤال أكبر: ماذا لو أصبحت المشروعات التنموية المصرية في أفريقيا جزءا من استراتيجية طويلة المدى تتكامل فيها الخبرة الهندسية مع الاستثمار والتجارة والتعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا؟
عندها لن يكون الحديث عن الحضور المصري في أفريقيا مجرد استعادة لذكريات مرحلة سابقة بل سيكون تأسيسا لمرحلة جديدة تتناسب مع طبيعة العالم الذي نعيش فيه.
القوة اليوم لم تعد فقط في امتلاك الموارد وإنما في القدرة على تقديم المعرفة والخبرة وبناء الشراكات. والدول التي تستطيع أن تساعد الآخرين على بناء مستقبلهم تكتسب نوعا مختلفًا من التأثير تأثيرا لا يقوم على فرض الإرادة.وإنما على الثقة والمصلحة المشتركة كما أن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات خارج البلاد يحمل مكسبا آخر لمصر نفسها. فهو يفتح أسواقا جديدة أمام الشركات الوطنية ويمنحها خبرات إضافية ويعزز قدرتها على المنافسة إقليميا ودوليا ويضع اسم مصر في قطاعات تحتاج إليها أفريقيا بشدة لذلك فإن تجربة تنزانيا يجب ألا تُقرأ باعتبارها نهاية قصة وإنما بداية لمسار يمكن البناء عليه أفريقيا تتغير واحتياجاتها تتزايد والمنافسة على الاستثمار في القارة أصبحت أكثر حضورا. ومصر بحكم موقعها وتاريخها وخبراتها تملك مقومات تجعلها واحدة من أهم الشركاء المحتملين في هذه المرحلة لكن الفرصة تحتاج إلى رؤية مستمرة ومشروعات مدروسة وشراكات تقوم على المنفعة المتبادلة واحترام خصوصية كل دولة واحتياجات شعوبها.
في النهاية قد تتغير الحكومات وتتبدل العناوين السياسية لكن المشروع الذي يضيء قرية، أو يدعم صناعة، أو يوفر طاقة، أو يفتح طريقا أمام الاستثمار يبقى شاهدا على علاقة حقيقية ولهذا ربما تكون أفضل رسالة مصرية إلى أفريقيا اليوم بسيطة وواضحة: لسنا فقط نتحدث عن القارة.. نحن نشارك في بناء مستقبلها.
