من سرق الحجة الأولى ؟
كتبت / ابتسام مصطفى
في كل موسم حج ، يتكرر المشهد نفسه بصورة تثير الأسئلة أكثر مما تثير الطمأنينة ؛ أسماء اعتادت الذهاب كل عام ، ووجوه تتعامل مع الحج كرحلة موسمية ثابتة ، بينما يقف ملايين المسلمين خلف الشاشات يشاهدون الحلم بالوقوف على عرفات و الدموع و الشوق يمزق القلوب ، ينتظرون فرصة واحدة فقط لزيارة بيت الله قبل أن تنتهي أعمارهم.
لقد تحولت الفريضة عند البعض من عبادة تقوم على المشقة والتجرد والمساواة، إلى مساحة جديدة لاستعراض الرفاهية والنفوذ والقدرة المالية. لم يعد الحديث عن روحانية الحج أو أثره الإيماني، بل عن الفندق الأقرب للحرم، والجناح المطل على الكعبة، و الخيام المكيفة فى عرفات والبوفيه المفتوح، والخدمة “VIP”، وكأننا أمام معرض سياحي فاخر لا أحد يعظم شعائر الإسلام.
المؤلم حقاً ليس أن يذهب الغني إلى الحج، فالله لم يحرم القادر من العبادة، لكن الكارثة أن يتحول تكرار الحج إلى نوع من احتكار الفرص، في وقت يوجد فيه من لم تطأ قدمه الأراضي المقدسة ولو مرة واحدة.
هناك رجل أفنى عمره بين العمل والديون ولم يستطع جمع تكلفة الرحلة.
وهناك أم عجوز تدعو منذ عشرين عاماً أن ترى الكعبة قبل الموت.
وهناك شاب ادخر سنوات طويلة ثم ابتلعت الأسعار حلمه في لحظة.
وفي المقابل، هناك من يتحدث ببساطة عن “الحجة العاشرة” و”الحجة الخامسة عشرة” وكأن الأمر رحلة اعتيادية إلى إحدى العواصم السياحية.
المفارقة القاسية أن الحج الذي شُرع ليكسر الفوارق بين البشر، أعادت إليه الطبقية الحديثة أبوابها من أوسع مدى. فهناك من يحج داخل أبراج مترفة مكيفة لا يشعر بزحام ولا تعب، ومن يشتري الراحة الكاملة بالمال، ومن يتحرك بخدمات خاصة، بينما آخرون ينتظرون سنوات بسبب القرعة أو الفقر أو ضيق الأعداد.
حتى صور الحج تغيّرت.
أصبحت مواقع التواصل تمتلئ بصور الإقامة الفاخرة أكثر من صور الدعاء، و بمقاطع استعراض الخدمات أكثر من الحديث عن التوبة والخشوع، و كأن البعض يريد أن يقول للناس: “انظروا كيف أحج”، لا “ادعوا لي أن يتقبل الله”.
هنا تتحول العبادة من علاقة بين الإنسان وربه، إلى عرض اجتماعي مغلف بالدين.
لا أحد يطالب بمنع الناس من تكرار الحج، لكن من حق المجتمع أن يطرح السؤال الأخلاقي الصعب:
هل من العدل أن يكرر البعض الحج كل عام، بينما يموت آخرون دون أن يمنحوا فرصة واحدة فقط؟
وهل المقصود من العبادة أن تتحول إلى امتياز متكرر لمن يملك المال، أم أن الأولى أخلاقياً وإنسانياً أن تُفتح الفرصة لمن لم يذق هذا الشعور ولو مرة؟
المشكلة ليست دينية فقط، بل إنسانية أيضاً. لأن جوهر الحج الحقيقي لا يقاس بعدد المرات، بل بما يتركه في النفس من رحمة وشعور بالآخرين. فرب إنسان حج مرة واحدة فعاد أكثر إنسانية وتواضعاً، ورب آخر اعتاد الرحلة حتى فقدت معناها وتحولت إلى عادة موسمية مرفهة.
والأخطر أن ثقافة “حج الرفاهية” خلقت حالة صامتة من القهر داخل نفوس البسطاء. فحين يرى الفقير من يكرر الحج سنوياً بصور الفنادق الفخمة والطائرات الخاصة والخدمات الاستثنائية، يشعر وكأن أبواب السماء نفسها أصبحت تخضع للقدرة المالية.
الحج لم يُفرض ليكون موسماً للتمييز الطبقي، ولا مناسبة للتفاخر الناعم، ولا ساحة جديدة لإثبات النفوذ الاجتماعي. لقد فُرض ليقف الجميع في لباس واحد، بلا ألقاب ولا امتيازات ولا فوارق.
لكن يبدو أن الإنسان نجح حتى في أكثر اللحظات تجرداً، أن يحمل معه طبقاته واستعراضه ورغبته الدائمة في التميز عن الآخرين.
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل الحج اليوم عبادة خالصة لله… أم أن جزءاً منه تحوّل إلى رفاهية دينية لا يستطيعها إلا أصحاب الامتيازات؟
