من يملك الممرات.. يملك مفاتيح العالم .. بقلم: شحاته زكريا

0

لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تملكه تحت الأرض أو بما تنتجه مصانعها أو بما تستطيع أن تحميه بجيوشها. هناك نوع آخر من القوة ينمو بهدوء لكنه أصبح أكثر تأثيرا في عالم شديد الترابط: قوة الطريق فالنفط يحتاج إلى طريق كي يصل والغذاء يحتاج إلى موانئ والمصانع تحتاج إلى سلاسل إمداد والتجارة تحتاج إلى ممرات آمنة وسريعة. وفي النهاية مهما اختلفت طبيعة السلع والخدمات يبقى السؤال واحدا: كيف تنتقل من مكان إلى آخر؟ من هنا يمكن فهم التحولات التي يشهدها العالم المضيق، والقناة، والميناء، وخطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، والممرات اللوجستية، لم تعد مجرد بنية تحتية. لقد أصبحت أجزاء من معادلة القوة.وأصبحت السيطرة على حركة الأشياء لا تقل أهمية عن امتلاك الأشياء نفسها من يملك الطريق لا يملك البضاعة بالضرورة لكنه يستطيع أن يؤثر في وصولها وهذه في حد ذاتها قوة كبيرة ما يحدث في مضيق هرمز يقدم مثالا واضحا على ذلك. فمجرد ارتفاع المخاطر في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها ويرفع تكاليف التأمين والنقل ويضغط على الأسواق قبل أن تتحول الأزمة إلى نقص فعلي في السلعة.
المشكلة إذن ليست دائمًا في النفط نفسه أحيانا تكون المشكلة في الطريق الذي يسلكه النفط ولهذا تغير السؤال الذي يطرحه العالم لم يعد السؤال فقط: من يملك مصادر الطاقة؟بل أصبح: من يملك الطريق الذي تعبره الطاقة؟
ولم يعد الاهتمام مقتصرا على الدولة التي تنتج السلعة وإنما امتد إلى الدولة التي تملك الميناء، والطريق، وشبكة النقل، والمنظومة اللوجستية التي تضمن وصولها إلى الأسواق.
وهنا تظهر أهمية الممرات البحرية بصورة أكبر فالبحر الأحمر على سبيل المثال ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين قارتين. إنه جزء من طريق تجاري بالغ الأهمية يربط الشرق بالغرب عبر قناة السويس. وعندما تتعرض الملاحة فيه للاضطراب فإن آثار الأزمة لا تبقى في المنطقة وإنما تنتقل إلى حركة التجارة، وأوقات الرحلات، وأسعار التأمين، وسلاسل الإمداد والسفينة التي تضطر إلى تغيير مسارها لا تغيّر اتجاهها فقط بل تضيف أياما إلى الرحلة وتستهلك وقودا أكثر وتدفع تكلفة أعلى وقد تتسبب في تأخير شحنات ومواعيد إنتاج.. هنا تظهر قيمة قناة السويس بطريقة مختلفة فالقناة لا تختصر المسافة فقط إنها تختصر الوقت والتكلفة والطاقة وهذه عناصر لها قيمة هائلة في الاقتصاد العالمي.. لكن الأهم بالنسبة إلى مصر هو ألا تتوقف النظرة إلى القناة عند كونها ممرا تحصل الدولة من خلاله على عائد للعبور.. المستقبل أوسع من ذلك.. الفرصة الحقيقية هي أن تتحول مصر من دولة يمر بها الطريق إلى دولة تملك منظومة الطريق وهذا يعني أن تصبح القناة مرتبطة بموانئ متطورة، ومناطق صناعية، ومخازن، وموانئ جافة، وشبكات طرق وسكك حديدية، وخدمات بحرية، ومراكز توزيع وإعادة تصدير عندما تتكامل هذه العناصر لا تعود السفينة هي وحدها مصدر القيمة…البضاعة نفسها يمكن أن تُخزن في مصر أو تصنع جزئيا، أو يعاد تصديرها، أو تحصل على خدمات لوجستية، أو تنتقل عبر شبكة نقل متكاملة.
وهنا يتحول الممر من قناة للعبور إلى اقتصاد كامل حول العبور وهذا هو الفارق بين دولة يمر بها الطريق ودولة تصبح جزءا من صناعة الطريق ولذلك فإن سباق الموانئ الذي يشهده العالم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره منافسة تجارية فقط.
الميناء الحديث أصبح عقدة في شبكة عالمية ضخمة من ينجح في تحويل مينائه إلى مركز إقليمي يستطيع جذب خطوط ملاحية واستثمارات وصناعات وخدمات، ويصبح قادرًا على التأثير في اتجاهات التجارة ولهذا فإن الاستثمار في الموانئ والمناطق اللوجستية يحمل بعدا اقتصاديا لكنه قد يحمل أيضا قيمة استراتيجية طويلة المدى فقد يبدأ الأمر بمشروع تجاري ثم يتوسع إلى شبكة نقل ثم تظهر منطقة صناعية وبعد سنوات تصبح المنطقة جزءا من منظومة اقتصادية مرتبطة بممر دولي هكذا تعمل الجغرافيا الحديثة بهدوء ومن خلال الاقتصاد وقد تكون إحدى أهم سمات المرحلة المقبلة أن النفوذ لن يظهر دائما في صورة تحالفات سياسية أو قواعد عسكرية. أحيانا يبدأ من ميناء أو طريق أو خط سكة حديد، أو مركز لوجستي القوة قد تدخل من بوابة الاقتصاد قبل أن تظهر في لغة السياسة وهنا تصبح بعض النقاط الصغيرة على الخريطة أكبر بكثير من مساحتها.
مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، وغيرها من نقاط الاختناق البحرية ليست مجرد ممرات ضيقة للمياه وإنما شرايين لحركة الطاقة والتجارة ولهذا فإن أي اضطراب فيها يلفت أنظار العالم كلهواللافت أن الدولة لا تحتاج دائما إلى إغلاق الممر حتى تؤثر فيه يكفي أحيانا أن يرتفع مستوى المخاطر أو تتزايد تكلفة التأمين، أو يصبح الطريق أقل استقرارًطا حتى تبدأ الشركات في البحث عن بدائل لكن البدائل ليست سهلة إعادة توجيه سفينة ممكنة أما بناء طريق تجاري بديل قادر على استيعاب حركة عالمية ضخمة فمسألة تحتاج إلى سنوات واستثمارات وبنية تحتية وترتيبات أمنية وسياسية ولهذا تبقى الممرات الكبرى أوراق قوة ومن هنا يمكن فهم أهمية الموقع المصري فمصر لا تملك قناة السويس فقط وإنما تملك موقعا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر ويمتلك امتدادا بريا وبحريا يمكن البناء عليه لتطوير منظومة نقل ولوجستيات متكاملة لكن الموقع وحده لا يكفي الجغرافيا تمنح الفرصة أما الإدارة والاستثمار والبنية التحتية فهي التي تحول الفرصة إلى قوة اقتصادية.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس أن تعبر أكبر كمية ممكنة من السفن فقط، وإنما أن تحصل مصر على أكبر قيمة ممكنة من كل سفينة تعبر السفينة التي تمر تحقق عائدا لكن البضاعة التي تخزن والمنتج الذي يصنع والحاوية التي يعاد تصديرها والخدمة التي تقدم والاستثمار الذي يأتي بسبب الموقع كلها تضيف قيمة أخرى وهنا يمكن أن تتحول قناة السويس إلى مركز اقتصادي متكامل لا مجرد طريق مائي بالغ الأهمية.
لكن هناك جانبا آخر لا يقل أهمية الممرات لا تمنح القوة فقط وإنما تفرض مسؤولية فكلما ازدادت أهمية طريق ما أصبحت سلامته واستقراره جزءا من مصالح دول كثيرة. والعالم لا يبحث عن الطريق الأقصر فقط بل يبحث أيضا عن الطريق الأكثر أمانا واستقرارا وكفاءة وهذا يعني أن قدرة مصر على الحفاظ على كفاءة ممراتها، وتطوير موانئها، وتحسين خدماتها، وربطها بشبكات النقل والصناعة، ليست مسألة اقتصادية داخلية فحسب وإنما جزء من موقعها في الاقتصاد العالمي فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين من يملك أكبر ميناء وإنما بين من يستطيع أن يقدم أفضل منظومة للحركة..السرعة، والأمان، والتكلفة، والاستقرار، والقدرة على التعامل مع الأزمات كلها أصبحت عناصر في اختيار الطريق.
وهنا تتغير طبيعة القوة مرة أخرى فالقرن الماضي كان شديد الارتباط بالسيطرة على الموارد أما القرن الحالي فيبدو أكثر ارتباطًا بالقدرة على تحريك الموارد من يملك الطاقة يملك ورقة ومن يملك التكنولوجيا يملك ورقة لكن من يملك الطريق الذي تنتقل عبره الطاقة والتكنولوجيا والسلع يملك ورقة أخرى لا تقل أهميةولهذا فإن الممرات ليست مجرد طرق بين نقطتين إنها شرايين الاقتصاد العالمي ومصر بحكم موقعها أمام فرصة لا تتكرر كثيرا: أن تحول الجغرافيا إلى صناعة والقناة إلى منظومة والميناء إلى مركز والموقع إلى قيمة مضافة تتجاوز رسوم العبور قد تتغير السفن وقد تتبدل مصادر الطاقة وقد تظهر طرق جديدة، وقد تتغير التحالفات لكن حاجة العالم إلى الحركة ستبقى والدولة التي تستطيع أن تجعل هذه الحركة أسرع وأمنا وأكثر كفاءة ستكون قادرة على الاحتفاظ بموقع مهم في عالم يعاد تشكيله في النهاية لا يملك أحد العالم كله لكن بعض الدول تملك مفاتيح في أماكن لا يستطيع العالم تجاهلها ومن يملك الممرات.. لا يملك العالم بالضرورة لكنه يملك مفاتيح مهمة لتحريك العالم.