هرمز ليس مجرد مضيق… بل اختبار إرادة بقلم: شحاته زكريا

54

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح ولا كل الحروب تقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي دُمرت. فهناك نوع آخر من الصراعات أكثر تعقيدا وعمقا تدار فيه المواجهة على حافة التوازن حيث لا ينتصر أحد بالكامل ولا يُهزم أحد نهائيا. وما يجري اليوم في محيط مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران هو نموذج حي لهذا النوع من الصراع.
المشهد في ظاهره تصعيد: تهديدات متبادلة حصار بحري رسائل عسكرية وتصريحات تحمل نبرة حادة. لكن في عمقه هو إدارة دقيقة لحافة الهاوية حيث يعرف كل طرف حدود ما يمكن أن يفعله وما لا يمكن تجاوزه. إنها معركة إرادة قبل أن تكون معركة قوة.. إيران التي وجدت نفسها مجددا في قلب العاصفة تدرك أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة ليست خيارا بسيطا لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تبدو في موقع التراجع الكامل. لذلك تتحرك ضمن مساحة رمادية توازن فيها بين التصعيد المحسوب والحفاظ على خطوط التواصل غير المعلنة. فهي لا تُغلق الباب أمام التفاوض لكنها ترفض أن تدخل إليه بشروط تُفرض عليها.
في المقابل تمارس واشنطن سياسة الضغط المركب التي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على التحكم في مسارات الاقتصاد والتجارة، وعلى رأسها الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. الحصار هنا ليس مجرد إجراء عسكري بل رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن التحكم في الجغرافيا يمكن أن يتحول إلى أداة لفرض الإرادة.. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذا النوع من الضغط لا يؤدي دائما إلى النتائج المتوقعة. فالدول حين تدفع إلى الزاوية لا تستسلم بالضرورة بل قد تعيد تعريف قواعد اللعبة. وإيران بتاريخها وتجربتها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضغوط وتحويلها أحيانا إلى أوراق تفاوض.. اللافت في هذا المشهد أن التهديدات المتبادلة لا تعني بالضرورة اقتراب الحرب.بقدر ما تعكس رغبة في تجنبها. فكل طرف يرفع سقف التصعيد ليس للوصول إلى المواجهة بل لتحسين موقعه على طاولة التفاوض. إنها لغة القوة التي تستخدم أحيانا لتفادي استخدامها فعليا..غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نوايا الأطراف بل في احتمالات الخطأ. ففي بيئة مشحونة قد يؤدي سوء تقدير بسيط أو حادث غير محسوب إلى إشعال مواجهة لا يريدها أحد. وهنا تصبح إدارة التوتر أكثر أهمية من التوتر نفسه.. وفي خضم هذا المشهد، يدفع آخرون الثمن. لبنان، على سبيل المثال يبدو وكأنه يقف على هامش الصراع لكنه في الحقيقة في قلب تداعياته. فكل تصعيد بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني الذي يعاني أصلا من هشاشة سياسية واقتصادية. وكأن هذا البلد يُكتب عليه أن يكون ساحة لتصفية حسابات لا يملك قرارها.. لكن ما يجب التوقف عنده هو أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بل جزء من إعادة تشكيل أوسع للمنطقة. فالممرات المائية والتحالفات وأدوار الدول كلها تخضع لإعادة تعريف. ولم يعد الصراع يدور فقط حول النفوذ بل حول من يملك القدرة على رسم قواعد اللعبة.. في هذا السياق تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة لا تُحسم فيها الأمور بحروب شاملة بل بسلسلة من المواجهات المحدودة والضغوط المتبادلة والتفاهمات المؤقتة. مرحلة تتداخل فيها السياسة بالعسكر والاقتصاد بالأمن بشكل يجعل الفصل بينها شبه مستحيل.

ومع ذلك يبقى السؤال الأهم: إلى أين يمضي هذا التصعيد؟

الإجابة ليست بسيطة لكنها تشير إلى أن الحل إن وُجد لن يكون عبر كسر الإرادات بل عبر إدارتها. فالتجارب أثبتت أن الحروب في هذه المنطقة لا تنهي الصراعات بل تعيد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدا.. لذلك فإن ما يجري في هرمز اليوم ليس فقط اختبارا لإيران أو الولايات المتحدة بل اختبار لقدرة المنطقة بأكملها على تجنب الانزلاق إلى فوضى أوسع. اختبار لما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على إدارة خلافاتها دون أن تدفع الآخرين إلى دفع الثمن.. في النهاية قد يبدو المشهد غامضا وربما متناقضا. لكن الحقيقة الأوضح أن ما نراه ليس سوى جزء من لعبة أكبر تدار بحسابات دقيقة حيث لا مكان للخطأ ولا مجال للاندفاع.

هرمز… ليس مجرد مضيق.
إنه مرآة تعكس توازنات القوة وحدودها.