ورقة هرمز تتآكل.. الممر البديل يفكك خطة إيران
في وقت تتصاعد به التوترات الأمنية في منطقة الخليج عقب استهداف سفينة قبالة السواحل العمانية، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وبينما تحاول إيران التمسك بأوراق نفوذها في المضيق، تواصل سلطنة عُمان تحركاتها ضمن إطار القانون الدولي للحفاظ على أمن الملاحة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، يقدم الباحث السياسي جعفر سلمان قراءة تفصيلية خلال حديثه إلى برنامج “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، بشأن طبيعة التوازنات القائمة، ومدى تأثير الحادثة الأخيرة على مسار التفاهمات والمفاوضات الجارية.
يشير سلمان إلى أن الموقف العماني الحالي ليس جديدا، بل سبق أن عبر عنه وزير النقل العماني قبل أشهر، عندما أكد التزام بلاده بالقانون الدولي في ما يتعلق بإدارة الملاحة في مضيق هرمز.
الرئيس اللبناني يرحّب بسعي ماكرون وميلوني لتشكيل تحالف دولي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل
ووفق هذا المنظور، فإن أي حديث عن فرض رسوم أو إجراءات لا تنسجم مع قواعد القانون الدولي لا يمكن تطبيقه من الجانب العماني.
ويؤكد أن الإشكالية الأساسية بالنسبة إلى إيران تتمثل في أن أي ترتيبات تتعلق بالمضيق تستوجب توافق الدولتين المشاطئتين له، أي إيران وسلطنة عُمان.
ومن هنا، فإن قدرة طهران على فرض أي شكل من أشكال التحكم أو الضغط تبقى مرتبطة بموافقة الجانب العماني، وهو أمر يعتبره سلمان مستبعدا، نظرا إلى ارتباط عُمان الجيوسياسي والثقافي والاستراتيجي بمنظومة الخليج العربي ودول مجلس التعاون الخليجي.
بحسب سلمان، فإن مذكرة التفاهم القائمة تتحدث عن مشاورات وتفاهمات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب التنسيق مع سلطنة عُمان لتطبيق أحكام القانون الدولي الخاصة بالمضيق.
ويشدد على أن القانون الدولي لا يمنح أي دولة حق السيطرة المنفردة على مضيق هرمز، بل يتيح فقط إمكانية تقديم خدمات للسفن العابرة مقابل رسوم محددة ووفق ضوابط دولية معروفة.
ويضيف أن هذه الرسوم مرتبطة بخدمات اختيارية مثل الصيانة أو التمويل أو الإرشاد البحري، وهي خدمات كانت قائمة قبل الحرب ولن يطرأ عليها تغيير جوهري. لذلك فإن الحديث عن سيطرة إيرانية مباشرة على المضيق أو فرض ترتيبات استثنائية لا يجد له أساساً في القواعد القانونية الناظمة للملاحة الدولية.
الممر العُماني البديل وسحب ورقة الضغط
يرى سلمان أن التطور الأبرز تمثل في الخطوة العُمانية المتمثلة بفتح مسار موازٍ للمسار الذي كانت إيران تحاول تكريس نفوذها من خلاله.
ويوضح أن الإيرانيين، بعد تحويل حركة المرور إلى ممر قريب من مياههم الإقليمية، بدأوا بفرض شروط إدارية وبيروقراطية تتعلق بالحصول على إذن مسبق وتقديم طلبات قبل العبور بمدة زمنية محددة، بما يمنحهم عمليا قدرة واسعة على التحكم بحركة الملاحة.
غير أن عُمان، وفق توصيفه، نجحت في سحب هذه الورقة من يد طهران عبر توفير ممر بديل، ما حدّ بصورة كبيرة من إمكان استخدام المضيق كوسيلة ضغط سياسية أو إدارية.
ويعتبر أن هذا التطور شكل ضربة مؤثرة للموقف الإيراني، وأسهم في تقليص مساحة النفوذ التي كانت طهران تسعى إلى تكريسها.
حادثة السفينة وتأثيرها على المفاوضات
وفي تقييمه للهجوم الذي استهدف السفينة قبالة السواحل العُمانية، يرى سلمان أن الحادثة كانت متوقعة في ضوء التوتر القائم، إلا أنه لا يعتقد أنها قادرة على تعطيل الاتفاق الإطاري أو وقف المفاوضات الجارية.
ويشرح أن الانتقال إلى مرحلة تؤدي فعلياً إلى تعليق المفاوضات أو إعادة فرض الحصار أو استئناف العمل العسكري يتطلب حوادث أكثر خطورة وتأثيراً، مثل استهداف ناقلات نفط بشكل واسع أو تكرار الهجمات بوتيرة مرتفعة. أما الحادثة الأخيرة، فرغم أهميتها الإعلامية والسياسية، فإنها لا تبدو كافية لإيقاف المسار التفاوضي الذي يعتبره أهم من أن يتعطل بسبب واقعة منفردة.
ويؤكد سلمان أن الحديث عن عائدات مالية ضخمة يمكن لإيران تحقيقها من إدارة المضيق، بما في ذلك أرقام تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، يعد مبالغا فيه بصورة كبيرة، لأن الرسوم والخدمات البحرية تخضع أصلا لضوابط وتنظيمات دولية تحدد سقوفها وآليات احتسابها.
ويضيف أن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى إيران لا تتعلق بالرسوم المالية بقدر ما ترتبط بمسألة التحكم الإداري بالمضيق. فلو أتيح لطهران امتلاك هذه الصلاحية، فإنها ستكون قادرة على تعطيل الحركة البحرية بصورة متكررة عبر ذرائع مختلفة تتعلق بالصيانة أو التلوث أو الجوانب الفنية والإجرائية.
إلا أن وجود الممر الدولي المشترك، إلى جانب الخط العُماني البديل، يجعل هذا السيناريو غير قابل للتحقق، وهو ما يفسر حالة الانزعاج الإيراني ومحاولات عرقلة المسار الجديد دون الوصول إلى حد إنهاء المفاوضات أو خرق التهدئة القائمة.
وفي قراءته للمشهد السياسي الإيراني، يرى سلمان أن طهران تواجه معضلة داخلية متزايدة. فمن جهة، يصعب عليها تسويق فكرة عدم القدرة على السيطرة على مضيق هرمز للرأي العام الداخلي بعد سنوات من الخطاب السياسي المرتفع السقف.
ومن جهة أخرى، تواجه البلاد أوضاعا معيشية واقتصادية معقدة قد تؤدي إلى زيادة الاضطرابات الداخلية مستقبلا.
ويشير إلى أن القيادة الإيرانية تسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين: الظهور بمظهر المنتصر والحفاظ على ماء الوجه داخليا. وفي هذا الإطار يلفت إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواصل، بحسب توصيفه، إحراج النظام الإيراني عبر تصريحات ومواقف متكررة تضعه في موقف دفاعي أمام جمهوره الداخلي.
ويخلص سلمان إلى أن فرص التوصل إلى نتيجة سياسية ما تزال قائمة، لكنه يعتقد أن المشهد النهائي سيشهد طرفا حقق مكاسب فعلية، مقابل طرف آخر سيواصل إعلان الانتصار إعلاميا.
ويستدل على ذلك بآليات التعامل مع الأموال الإيرانية والعائدات النفطية، معتبرا أن الواقع العملي للمفاوضات يختلف بصورة جوهرية عن الخطاب الذي تطرحه طهران. وبرأيه، فإن الفجوة بين ما يُقال وما يجري على الأرض ستفرض في نهاية المطاف على إيران مواجهة الوقائع القائمة ومحاولة تبريرها أمام الداخل الإيراني.
