د. ماك شرقاوي يكتب: المنصوري على رأس حكومة المغرب.. سابقة تاريخية واختبار للإنجاز
دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة بتعيين الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وتكليفها بتشكيل فريق حكومي جديد، يوم التاسع والعشرين من سبتمبر 2026. وبذلك أصبحت أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة، بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. غير أنني أرى أن أهمية الحدث تتجاوز السابقة النسائية، لتفتح نقاشًا أعمق حول قدرة القيادة الجديدة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، وتحويل التغيير السياسي إلى نتائج ملموسة.
تصل المنصوري، المحامية البالغة خمسين عامًا، إلى رئاسة الحكومة بخبرة تجمع بين الإدارة المحلية والعمل الوزاري. فقد كانت أول امرأة تتولى عمودية مدينة مراكش، وشغلت منذ عام 2021 وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ويمنحها هذا المسار معرفة بملفات السكن والتخطيط والخدمات، لكنه يضعها أمام انتقال كبير: من تدبير قطاعات ومجالات محددة إلى تنسيق السياسات العامة، وإدارة التوازنات داخل حكومة ائتلافية، وتحمّل مسؤولية برنامج وطني أمام البرلمان والرأي العام. وهذا، في تقديري، أصعب انتقال يمكن أن يواجهه أي مسؤول: أن ينتقل من إدارة الملف إلى إدارة الدولة.
وتبدأ المهمة من بناء أغلبية مستقرة. فحزب الأصالة والمعاصرة حصل على سبعة وتسعين مقعدًا من أصل ثلاثمائة وخمسة وتسعين، وهو رصيد يمنحه الصدارة دون أغلبية منفردة، إذ تتطلب الأغلبية مئة وثمانية وتسعين مقعدًا. والجدير بالملاحظة أن الأحزاب الثلاثة التي شكّلت الحكومة السابقة — الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال — تملك مجتمعةً مئتين وثمانية وعشرين مقعدًا، أي ما يتجاوز عتبة الأغلبية بفارق مريح. لكن موازين القوة داخل هذا الثلاثي تغيّرت؛ فقد تراجع التجمع الوطني للأحرار من مئة واثنين من المقاعد إلى ستة وستين، وانتقلت القيادة إلى شريكه السابق. وفي المقابل، عاد حزب العدالة والتنمية بقوة من ثلاثة عشر مقعدًا إلى أربعة وخمسين، ما يعني معارضة أكثر حضورًا وصوتًا داخل البرلمان.
لذلك أرى أن مفاوضات الشراكة ستكون الاختبار الأول لقدرة المنصوري على جمع مصالح حزبية مختلفة حول أولويات مشتركة. ولن تكفي تسوية توزيع الحقائب؛ إذ يحتاج الائتلاف إلى اتفاق واضح بشأن الإنفاق والإصلاح وآليات اتخاذ القرار، حتى لا تتحول خلافات الشركاء إلى عائق أمام التنفيذ، ولا تتحول المعارضة المتجددة إلى المستفيد الأكبر من أي تعثر.
وعلى المستوى الاجتماعي، تنتظر الحكومة ملفات ترتبط مباشرة بحياة الأسر: فرص العمل، والأسعار، والأجور، وجودة الخدمات. وتبرز مطالب الشباب باعتبارها اختبارًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد. ففرصة العمل تعني دخلًا واستقلالًا وإمكانًا لبناء المستقبل، بينما يؤدي غيابها إلى اتساع المسافة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية. ولهذا أعتقد أن البرنامج الحكومي سيحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، ومواعيد محددة للتنفيذ، ومعلومات تسمح للمواطن بمعرفة ما تحقق وما تعثر، وأسباب ذلك.
وتضيف المشاركة الانتخابية، التي بلغت نحو ثمانية وثلاثين في المئة، وهي الأدنى منذ قرابة عقدين، بعدًا آخر إلى هذه المهمة. فالرقم يطرح سؤال العلاقة بين المؤسسات والناخبين، لكنه لا يفسر وحده دوافع الامتناع، ولا يسمح بوضع جميع غير المصوتين في خانة واحدة. والمطلوب سياسيًا، كما أراه، هو توسيع قنوات الاستماع والمشاركة، وربط الوعود بالمحاسبة. ويمكن للحكومة أن تستثمر بداية ولايتها في تقديم التزامات واضحة، تتيح اختبار أدائها بعيدًا عن المبالغة في التوقعات أو الاكتفاء بالرسائل الرمزية.
وفي الخلفية، يبرز التحضير لكأس العالم 2030، الذي يستضيفه المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. ويضع هذا الموعد الحكومة أمام مسؤوليات تنظيمية وتنموية، تشمل البنية التحتية والخدمات والاستثمار. ويمكن للمشاريع المرتبطة بالبطولة أن تترك فوائد طويلة الأجل، بشرط أن تتصل باحتياجات السكان والاقتصاد المحلي. أما معيار النجاح في نظري، فينبغي أن يشمل جودة المرافق واستعمالها مستقبلًا، وقدرتها على دعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب جاهزية المنشآت لاستقبال المنافسات والجماهير.
ويحمل تولي امرأة رئاسة الحكومة دلالة واضحة على اتساع حضور النساء في مواقع القيادة، وأقرأ فيه خطوة ذات أثر اجتماعي يتجاوز شخص المنصوري، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة من الفتيات المغربيات. ولا أرى فيه بالضرورة رسالة موجهة إلى الخارج، بقدر ما هو إشارة إلى الداخل بأن أبواب القرار مفتوحة. كذلك فإن السابقة لا تغيّر بذاتها توزيع الصلاحيات بين المؤسسات؛ إذ ستعمل رئيسة الحكومة ضمن الإطار الدستوري القائم والتوازنات التي تحكمه.
وهكذا تبدأ المنصوري مهمتها برصيد رمزي مهم، ومسؤوليات تتطلب إدارة وتفاوضًا وإنجازًا. وسيكون حكمي على التجربة، كما سيكون حكم المغاربة، مرتبطًا بقدرتها على بناء حكومة متماسكة، وتحسين الفرص والخدمات، وتقديم حساب واضح للمواطنين. فالتاريخ يسجل السابقة، بينما يحدد الأداء قيمتها العملية في حياة المغاربة خلال السنوات المقبلة.
شاهدوا الحلقة كاملة على Mac Sharkawy Show:

