إيران… أمام الموت البطيء
مع انتقال المواجهة الامريكية مع إيران إلى مرحلة أكثر اتساعاً، لم يعد السؤال متعلقاً بحجم القوة المستخدمة وحده، وإنما بطبيعة الأهداف التي يمكن أن تحدد مسار الحرب ونتائجها، فإذا قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة مركزة إلى قطاع الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، فلن تكون العملية مجرد فصل جديد في تبادل الضربات العسكرية، وإنما تحولاً في طبيعة الصراع نفسه، من استهداف القدرة على القتال إلى اختبار القدرة على الاستمرار.
ترامب يقول إن مضيق هرمز «مفتوح» وبيانات الشحن ترصد حركة محدودة
فالدولة التي تتعرض شبكات الكهرباء والمياه والموانئ والوقود والنقل فيها لضربات متكررة لا تخسر منشآت فحسب، وإنما تبدأ تدريجياً بفقدان الأعصاب التي تربط الاقتصاد بالمجتمع، والمؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية.
ولا يدخل الاقتصاد الإيراني مثل هذا السيناريو من موقع القوة، فالبلاد تعاني منذ سنوات أزمات متراكمة في الطاقة والمياه، وارتفاعاً في التضخم، وضعفاً في العملة، ونقصاً مزمناً في الاستثمار في قطاعات حيوية. وقد كشفت أزمات الكهرباء والمياه، حتى قبل أي تصعيد عسكري واسع، هشاشة الخدمات الأساسية وأثرها المباشر في الإنتاج والوظائف والاستقرار الاجتماعي. وتشير تقديرات بحثية إلى أن استمرار الانقطاعات وتدهور الموارد المائية يفاقمان الضغوط المالية ويزيدان احتمالات تراجع مستويات المعيشة والنزوح الداخلي، خصوصاً في المناطق الأكثر فقراً والأشد حرارة.
غير أن استهداف البنية الأساسية لا يقتضي تدميرها بالكامل حتى يحقق أثراً استراتيجياً. ففي المنظومات المعقدة يكفي تعطيل عدد محدود من العقد الحيوية حتى تمتد الآثار إلى قطاعات أخرى، فتعطل الكهرباء يضغط على محطات المياه والاتصالات والمستشفيات، ونقص الوقود يشل النقل ويقيد الإنتاج، وتراجع كفاءة الموانئ والسكك والجسور يرفع كلفة الاستيراد والإصلاح، بينما يربك انقطاع التيار سلاسل الغذاء والدواء.
وهنا يظهر مفهوم أصبح أكثر حضوراً في التفكير الأمني الحديث، هو المرونة الوطنية، أي قدرة الدولة على مواصلة وظائفها الأساسية واستعادة الخدمات بعد التعرض للضربات، فالأمن لا يقاس بعدد الصواريخ التي تُعترض أو المنشآت التي تنجو وحدها، وإنما أيضاً بسرعة إصلاح الشبكات ووجود البدائل والاحتياطيات وقدرة المؤسسات على العمل تحت الضغط.
ومن هذه الزاوية تبدو إيران أكثر عرضة للخطر، لأن سنوات العقوبات، ونقص الاستثمار، ومشكلات الإدارة، وتقادم أجزاء من البنية الأساسية ضيقت هامش قدرتها على امتصاص صدمات متتالية.
لكن الانتقال من تضرر البنية التحتية إلى تهديد بقاء النظام ليس آلياً، فبين الضربة العسكرية والانهيار السياسي سلسلة من الحلقات، ويبدأ الخطر عندما يؤدي تعطل الخدمات إلى إضعاف الإنتاج والتجارة وإيرادات الدولة، فتضيق الموارد المتاحة للسلطة وتبدأ مؤسساتها ونخبها في التنافس عليها.
عندها يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تستطيع الدولة الاستمرار في دفع الرواتب وتمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية والمحافظة على شبكات الولاء التي تحمي النظام؟
وفي المقابل، لا تفتقر إيران إلى أدوات التكيف، فهي تستطيع تقنين الاستهلاك، وإعادة توجيه الوقود والكهرباء والموارد إلى المرافق والمناطق ذات الأولوية، والاستفادة من شبكات اقتصادية موازية وخبرات تراكمت خلال سنوات العقوبات. وقد تؤخر هذه الأدوات التدهور الوظيفي وتمنح النظام وقتاً إضافياً، لذلك لا يتحدد مسار الاستنزاف بحجم الضرر وحده، وإنما بالسباق بين سرعة إحداثه وقدرة الدولة على الإصلاح والتعويض وإعادة توزيع الندرة.
بلا شك، يستطيع النظام كذلك تعبئة أنصاره بخطاب العدوان والصمود، وقد تمنحه الضربات الخارجية تعبئة قومية مؤقتة، لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية تعويض نقص الكهرباء والمياه والوقود بالدعاية. فعندما يعجز المواطن عن الوصول إلى الماء أو العمل أو الدواء أو وسائل الاتصال، تصبح الأزمة معيشية قبل أن تكون أيديولوجية، وإذا طالت انتقلت من الشارع إلى مؤسسات الدولة نفسها.
فالمؤسسة العسكرية تحتاج اقتصاداً يعمل، وموانئ تستقبل، وشبكات نقل تتحرك، وكهرباء تغذي الاتصالات والإنتاج وورش الصيانة، وحتى الحرس الثوري، رغم ما يمتلكه من قدرات وشبكات اقتصادية، لا يعمل خارج المجتمع والاقتصاد، فتضرر منظومة الطاقة والخدمات اللوجستية يرفع كلفة إنتاج الذخائر وصيانة الصواريخ والمسيّرات ويصعّب نقلها وإعادة تموينها. ولا يعني ذلك فقدان إيران قدرتها على الرد فوراً؛ الذي يتآكل هو قدرتها على التعويض والتصنيع والصيانة والتمويل وإدامة عمليات طويلة ومكلفة.
وهنا تصبح الحلقة الأكثر حسماً سياسية لا هندسية، فالأنظمة السلطوية تستطيع تحمل احتجاجات واسعة ما دامت أجهزة القوة متماسكة وقادرة على تنفيذ أوامرها. لذلك لن يكون المؤشر الأخطر مجرد اتساع الانقطاعات أو ارتفاع الأسعار، وإنما انتقال الضغط إلى النخبة والأجهزة التي تحمي النظام، عند هذه النقطة يمكن أن تتحول خسارة المنشآت إلى خسارة القدرة على الحكم.
وفي مثل هذه الظروف، قد تلجأ طهران، إذا احتفظت بسلسلة قيادة وقدرات إطلاق وإمداد كافية، إلى ردود صاروخية أو مسيّرة محدودة ضد مصالح أميركية أو أهداف في دول الخليج، ولن يكون الهدف بالضرورة تغيير ميزان القوى، وإنما إثبات القدرة على إيقاع الألم ورفع كلفة الخصوم، أو إحداث اضطراب في أسواق الطاقة والشحن أكثر من تحقيق إنجاز عسكري حاسم.
غير أن حسابات الرد تغيرت أيضاً، فدول الخليج ليست اليوم في موقع الصدمة الأولى؛ إذ أسهم تطوير الدفاعات الجوية والإنذار المبكر، وتحسين حماية المنشآت الحيوية وخطط استمرارية الخدمات، في تقليص قدرة الضربات المحدودة على إحداث أثر استراتيجي دائم، رغم بقاء احتمال وقوع أضرار وخسائر، لذلك يقاس نجاح الدفاع بقدرة النظام الوطني كله على احتواء الصدمة، لا بنسبة اعتراض مجردة.
وبالتالي، فمن شأن أي رد إيراني جديد أن يزيد احتمالات أن يُقرأ في واشنطن والعواصم الخليجية بوصفه دليلاً على أن الردع لم يتحقق، بما يرفع خطر جولة أشد من الضغط العسكري على النظام الإيراني، عندئذ تتبدد المكاسب الإعلامية، بينما يزداد العبء على المجتمع الإيراني الذي يعاني أصلاً من الانقطاعات والندرة والتضخم.
فالخطر الحقيقي على النظام الإيراني ليس ضربة واحدة، ولا حتى تدمير منشأة كبرى، وإنما حلقة استنزاف تتداخل فيها الأعطال وتعثر الإصلاح ونقص الخدمات وتراجع الإيرادات، ثم تضيق الموارد التي تحفظ تماسك المؤسسات الامنية والعسكرية الإيرانية. وذلك هو الموت البطيء للدولة الوظيفية، فالدول لا تنهار دائماً في لحظة عسكرية فاصلة؛ وقد يبدأ تآكلها عندما تعجز عن تشغيل محطات الكهرباء وتأمين المياه ودفع الرواتب والحفاظ على الحد الأدنى من دورة الحياة الاقتصادية، ثم تفقد تدريجياً قدرة مؤسساتها على فرض القرار وتنفيذه.
ولهذا، فإن أي ضربة أميركية مركزة تستهدف قطاع الطاقة والبنية التحتية قد لا تسقط النظام الإيراني في ليلة واحدة، وقد تمنحه في البداية قدراً من التعبئة الداخلية، لكن خطورتها الحقيقية تكمن في اختبار هامش المرونة المتبقي لديه.
فإذا تعطلت الخدمات، وتراجعت الموارد، وامتد الضغط من المجتمع إلى النخبة والمؤسسات الأمنية والعسكرية، حينها يصبح السؤال مختلفاً تماماً: كم ضربة تستطيع الدولة الإيرانية أن تتحمل قبل أن تتحول خسارة المنشآت إلى خسارة القدرة على الحكم؟ عند تلك اللحظة، لا يعود الصراع اختباراً للقوة العسكرية وحدها، وإنما اختباراً لبقاء النظام الإيراني نفسه.
