غزة.. السلام يبدأ من اليوم التالي ..بقلم شحاته زكريا
ليست أصعب لحظة في أي حرب هي لحظة إطلاق النار وإنما اللحظة التي يتوقف فيها الرصاص ويبدأ السؤال الأصعب: ماذا بعد؟في غزة يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فوقف القتال مهما كانت أهميته لا يعني أن الحرب انتهت كما أن الاتفاق السياسي مهما حمل من بنود وضمانات لا يصبح سلاما حقيقيا إلا إذا استطاع أن يفتح طريقا جديدا أمام شعب أنهكته الحرب وأن يمنع العودة إلى المربع الأول…غزة لا تحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما تحتاج إلى بداية جديدة.. وهنا تكمن القضية فالسنوات الأخيرة أثبتت أن إدارة الصراع ليست حلا للصراع. يمكن أن تتوقف المواجهات لأيام أو أسابيع أو أشهر ويمكن أن تعود المساعدات ويمكن أن تنخفض حدة التصعيد لكن إذا بقيت الأسباب التي صنعت الأزمة دون معالجة فإن الحرب ستظل كامنة تحت الرماد تنتظر شرارة جديدة…ولهذا فإن أي اتفاق مقبل يجب ألا يُنظر إليه باعتباره نهاية سياسية وإنما باعتباره الخطوة الأولى في طريق طويل.. الخطوة التالية يجب أن تكون واضحة: إعادة إعمار غزة، استعادة الخدمات الأساسية، توفير حياة آمنة للمدنيين، وبناء إدارة فلسطينية قادرة على تحمل مسؤولياتها، مع وجود ضمانات دولية وإقليمية حقيقية تمنع تحويل القطاع مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للصراع .. إعادة الإعمار هنا ليست مجرد إسمنت وحديد.. إنها إعادة بناء مدرسة فقدت طلابها ومستشفى فقد قدرته على العلاج وبيت فقد سكانه الأمان وشارع فقد ملامحه وطفل أصبح يعرف معنى الحرب قبل أن يعرف معنى الطفولة…ولهذا فإن المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي لا يحتمل التأجيل.. فلا يمكن أن يطالب العالم الفلسطينيين بالهدوء بينما يترك أسباب الانفجار قائمة. ولا يمكن أن نتحدث عن السلام دون أن يكون هناك أفق سياسي واضح يضمن للفلسطينيين حقهم في بناء مستقبلهم على أرضهم.. السلام الذي لا يفتح الطريق أمام حل سياسي عادل سيظل سلاما هشا.. ومن هنا تأتي أهمية الدور العربي.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى موقف عربي لا يكتفي بالتعامل مع نتائج الحرب وإنما يشارك في صناعة اليوم التالي. تحتاج إلى رؤية موحدة بشأن إعادة الإعمار ودعم المؤسسات الفلسطينية ورفض أي محاولة لفرض واقع جديد على الأرض والحفاظ على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية وليست مجرد ملف إنساني.. وتأتي مصر في قلب هذا المشهد بحكم موقعها ودورها التاريخي وعلاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف. والمطلوب أن يستمر الدور المصري في الدفع نحو تهدئة مستدامة وفي الوقت نفسه دعم مسار سياسي يعيد القضية إلى طاولة الحلول بدل إبقائها رهينة لإدارة الأزمات.. لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده…الفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة تاريخية تستدعي ترتيب البيت الداخلي وتوحيد الصف وبناء رؤية سياسية تتجاوز الانقسام لأن اللحظات الفاصلة في تاريخ الشعوب لا تسمح برفاهية استمرار الخلافات.
لقد دفعت غزة ثمنا باهظا من الدم والدمار ولذلك لا يجوز أن يكون المقابل مجرد هدنة مؤقتة…المطلوب أن تتحول المعاناة إلى نقطة انطلاق وأن يتحول الركام إلى مشروع إعادة بناء وأن تتحول الهدنة إلى مسار سياسي وأن يتحول الخوف إلى أمان…وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لأي اتفاق.
ليس يوم الإعلان عنه حين تتجه إليه الكاميرات وتتصدر صوره نشرات الأخبار وإنما في اليوم التالي عندما يبدأ الناس في العودة إلى بيوتهم وعندما تفتح المدارس أبوابها وعندما تصل المساعدات دون عوائق وعندما يشعر الطفل الفلسطيني أن المستقبل ليس نسخة أخرى من الماضي.. فالسلام الحقيقي لا يقاس بعدد الأوراق التي وقعت ولا بعدد المؤتمرات التي عقدت وإنما بقدرته على تغيير حياة الناس.
غزة لا تحتاج فقط إلى أن تتوقف الحرب.. غزة تحتاج إلى ألا تعود الحرب…وهذا هو المعنى الحقيقي للسلام.
فالسلام يبدأ من اليوم التالي.
