الطريق إلى الهزيمة يبدأ بالكذبة الأولى .. كيف تصنع النكسات ؟
كتبت ابتسام مصطفى
كلما حلَّ شهر يونيو، عادت إلى الذاكرة واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ العربي الحديث. هزيمة عام 1967 لم تكن مجرد خسارة عسكرية انتهت خلال أيام قليلة، بل كانت زلزالاً سياسياً وفكرياً كشف حجم الفجوة بين الصورة التي كانت تُقدَّم للجماهير والواقع الذي كانت تعيشه الدول والجيوش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن أن تتكرر هزيمة يونيو في العصر الحالي؟
الإجابة البسيطة هي نعم، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أخطائه بأشكال مختلفة.
في عام 1967 كانت المشكلة الأساسية أن القيادة السياسية والعسكرية صدقت روايتها الخاصة. الإعلام كان يتحدث عن انتصارات وهمية، والجماهير كانت تسمع ما تريد سماعه، بينما كانت الحقائق على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً. وعندما جاءت لحظة الاختبار، انهار البناء كله دفعة واحدة.
اليوم تغيرت التكنولوجيا وتطورت الجيوش وتبدلت موازين القوى، لكن بعض الأمراض القديمة ما زالت موجودة. فالدول التي تمنع النقد، وتعتبر كشف الأخطاء نوعاً من الخيانة، وتفضل الدعاية على الحقائق، تضع نفسها على الطريق ذاته الذي قاد إلى كوارث الماضي.
إن أخطر ما في هزيمة 1967 لم يكن التفوق العسكري الإسرائيلي فقط، بل حالة الخداع الذاتي التي سبقتها. فالجيوش لا تُهزم عندما تكون أضعف من خصومها فحسب، وإنما تُهزم أيضاً عندما تفقد القدرة على تقييم نفسها بصدق.
العصر الحالي يحمل تحديات أكثر تعقيداً مما كان قائماً قبل ستين عاماً. فالحروب لم تعد تعتمد فقط على الدبابات والطائرات. هناك حروب اقتصادية، وحروب معلومات، وحروب إلكترونية، ومعارك تدور على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد تجد دولة نفسها مهزومة قبل إطلاق أول رصاصة إذا فقدت قدرتها على إدارة اقتصادها أو حماية وعي مواطنيها.
ومع ذلك، هناك فارق مهم بين اليوم وأمس. في عام 1967 كانت المعلومات تحتكرها الحكومات إلى حد كبير، أما اليوم فأصبح إخفاء الحقائق أكثر صعوبة. المواطن يمتلك مصادر متعددة للمعلومات، والخبر ينتقل خلال ثوانٍ إلى العالم كله. هذا لا يمنع التضليل، لكنه يجعل من الصعب استمرار الأوهام لفترات طويلة كما حدث في الماضي.
لذلك فإن تكرار هزيمة يونيو ليس مرتبطاً بزمان أو مكان معين، بل مرتبط بتكرار الأسباب التي صنعتها. فإذا عاد الغرور، وعادت الدعاية لتحل محل الحقائق، وعاد المسؤولون إلى معاقبة من يكشف الأخطاء بدلاً من تصحيحها، فإن أي دولة قد تجد نفسها أمام نسخة جديدة من يونيو، حتى لو اختلفت الأسماء والخرائط والأسلحة.
لقد كانت هزيمة 1967 درساً قاسياً، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في البكاء على الماضي، بل في فهم الرسالة التي تركتها للأجيال اللاحقة: الأمم لا تسقط بسبب قوة أعدائها فقط، وإنما بسبب عجزها عن رؤية أخطائها قبل فوات الأوان.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل تعلمنا من يونيو، أم أننا نكتفي كل عام بإحياء الذكرى بينما تستمر الظروف التي صنعتها في الظهور بأشكال جديدة؟
