المنطقة في زمن اللا رفاهية بقلم: شحاته زكريا

0

لم يعد الشرق الأوسط يعيش ترف الاختيار كما كان يُتصور في لحظات سابقة من تاريخه الحديث. فالمعادلات التي حكمت الإقليم لعقود بين توازنات القوة وحسابات الردع ومساحات المناورة تبدو اليوم أقل قدرة على تفسير ما يجري وأضعف في تقديم حلول مستدامة. نحن أمام مرحلة مختلفة مرحلة تتآكل فيها البدائل وتضيق فيها الخيارات ويتحول فيها القرار من مساحة مفتوحة إلى هامش ضيق تحكمه الضرورات لا الرغبات.. في هذا السياق لا تبدو الأزمات الراهنة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية كأحداث منفصلة بل كخيوط متشابكة في نسيج واحد. فالتوترات الجيوسياسية لم تعد مجرد صراع على النفوذ بل أصبحت عاملا مباشرا في تشكيل الواقع الاقتصادي تماما كما أن الضغوط الاقتصادية لم تعد مجرد انعكاس لسياسات داخلية بل باتت مرتبطة بحالة إقليمية مضطربة تتجاوز حدود الدول. وهكذا يدخل الجميع في دائرة مغلقة: سياسة تضغط على الاقتصاد واقتصاد يقيّد السياسة ومجتمعات تحاول أن تتكيف مع هذا التشابك المعقد.. اللافت في هذه المرحلة ليس فقط حجم التحديات بل طبيعة الاستجابة لها. فالدول على اختلاف قدراتها تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات لا تمنحها رفاهية التأجيل أو المراجعة الطويلة. الإصلاحات الاقتصادية على سبيل المثال لم تعد خيارا استراتيجيا ينفذ وفق جداول مريحة بل ضرورة تفرضها ضغوط الواقع. والتحركات السياسية لم تعد تبنى على حسابات طويلة الأمد فقط بل على تقديرات لحظية تحاول تجنب الأسوأ حتى لو لم تحقق الأفضل.. في المقابل يقف المجتمع في قلب هذه المعادلة ليس كمتلق سلبي بل كطرف يتحمل الجزء الأكبر من كلفة التحول. فمع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الشعور بعدم اليقين تتغير أنماط الحياة بشكل تدريجي ولكن عميق. لم يعد الحديث عن تحسين مستوى المعيشة هو السائد بل عن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. وهذا التحول في حد ذاته يعكس طبيعة المرحلة: زمن تدار فيه الأولويات على أساس الضرورة لا الطموح.. ومع ذلك فإن اختزال المشهد في كونه أزمة ممتدة قد يكون تبسيطا مخلا. فالتاريخ يُظهر أن الفترات التي تضيق فيها الخيارات تكون أيضا لحظات لإعادة التشكيل. صحيح أن الضغط يولد توترا لكنه قد يفتح أيضا مسارات جديدة للتفكير والعمل. في قلب هذا اللا رفاهية ، تظهر فرص لم تكن مطروحة من قبل: إعادة هيكلة الاقتصادات تنويع مصادر الدخل الاستثمار في قطاعات جديدة وبناء نماذج أكثر استدامة. لكن هذه الفرص لا تتحقق تلقائيا بل تحتاج إلى رؤية واضحة وإدارة دقيقة وقدرة على الموازنة بين متطلبات الحاضر وضرورات المستقبل.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تمتلك المنطقة الأدوات اللازمة لتحويل هذا الضغط إلى فرصة؟ الإجابة ليست بسيطة. فهناك تباين واضح بين دول تمتلك موارد وخيارات أوسع، وأخرى تواجه قيودا أكثر حدة. لكن القاسم المشترك يبقى في ضرورة التكيف. ففي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم يعد ممكنًا الاعتماد على صيغ تقليدية لإدارة الأزمات. المطلوب هو قدر أكبر من المرونة ومن الجرأة في اتخاذ القرار ومن الانفتاح على شراكات وتحالفات جديدة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية.. في هذا الإطار تبرز أيضًا أهمية الخطاب العام. فالتحديات الكبرى لا تُدار فقط عبر السياسات بل عبر كيفية فهمها وتفسيرها داخل المجتمع. الخطاب الذي يوازن بين الصراحة والأمل بين الاعتراف بالصعوبات وطرح مسارات للحل يصبح أداة أساسية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي. أما الخطاب الذي يميل إلى التهوين أو التهويل فإنه قد يفاقم من حالة عدم اليقين ويضعف القدرة الجماعية على التحمل.. في النهاية قد يكون زمن اللا رفاهية توصيفا دقيقا للحظة الراهنة لكنه لا يعني بالضرورة انسداد الأفق. فالمنطقة رغم ما تواجهه من تحديات لا تزال تمتلك عناصر قوة كامنة: موقع جغرافي استراتيجي موارد متنوعة طاقات بشرية شابة،
وتجارب متراكمة في إدارة الأزمات. التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توظيف هذه العناصر ضمن رؤية متكاملة لا تكتفي بإدارة الأزمة بل تسعى إلى تجاوزها.. ربما لم يعد هناك متسع كبير للأخطاء وربما لم يعد هناك وقت كاف للتجارب غير المحسوبة. لكن في المقابل هناك إدراك متزايد بأن الاستمرار بالأساليب القديمة لم يعد ممكنا. وبين ضغط الواقع وضيق الخيارات تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تكون أكثر صرامة لكنها أيضا قد تكون أكثر وضوحا. وفي هذا الوضوح يكمن الأمل ليس كترف بل كضرورة لا غنى عنها للبقاء والتقدم.