المنطقة لا تحتاج حربا جديدة.. بل نظاما جديدا .. بقلم :شحاته زكريا
بين كل ركام وركام تنجلي غبار المعارك عن النتيجة ذاتها دون مواربة لا أحد ينتصر بالضربة القاضية والجميع يدفع الفاتورة الباهظة من لحمه الحي ومستقبل أجياله. الشرق الأوسط اليوم يقف أمام حقيقة صارخة لا تقبل المراوغة الدبلوماسية أو التخدير السياسيه هذه الرقعة من العالم لم تعد تملك ترف خوض حرب جديدة بأي مقياس. ليس لأن المدافع تفتقر إلى الذخيرة ولا لأن المستودعات خلت من الصواريخ بل لأن الأرض ومن يمشون فوقها استنزفوا حتى العظم. ما نحتاجه اليوم ليس معركة فاصلة جديدة لإنعاش أوهام السيطرة القديمة بل شجاعة سياسية لنسف المنظومة البالية برمتها وإرساء نظام إقليمي جديد يعيد تعريف معنى البقاء على مدار عقود طويلة جُرّبت في هذه المنطقة كل أشكال الصدام الممكنة بدءا من الحروب النظامية المباشرة مرورا بحروب الاستنزاف والمعارك بالوكالة وصولا إلى الاغتيالات الدقيقة واستعراضات القوة الباليستية في سماء مدن منهكة. وماذا كانت المحصلة؟ عواصم عريقة تتحول إلى أطلال وأجيال كاملة تفقد حقها البديهي في التعليم والحياة الكريمة وجيوب شعوب تفرغ قسرا لشراء ترسانات عسكرية تُستخدم في النهاية لتدمير ما تبقى من بنية تحتية هشة. لقد سقطت معادلة توازن الرعب أخلاقيا وعمليا لأنها لم تنتج سوى رعب دائم ومستدام يعيشه المواطن البسيط في تفاصيل يومه بينما يجلس أصحاب القرار في غرفهم المحصنة يديرون لعبة شطرنج إقليمية خاسرة مقدما
تكمن الأزمة الكبرى في أن العديد من قادة المنطقة وحلفاءهم الخارجيين ما زالوا يقرؤون الواقع المعقد بعقلية أواسط القرن الماضي متجاهلين تماما أن التهديدات الحقيقية والوجودية قد تبدلت ملامحها بالكامل. العدو الوجودي اليوم لم يعد بالضرورة جيش الدولة المجاورة بل أنهار تجف تدريجيا وأراضٍ زراعية تتصحر وعطش قادم يهدد الملايين من حوض النيل إلى دجلة والفرات. التهديد الحقيقي القابع في الغرف المغلقة هو انهيار العملات الوطنية وتضخم يلتهم المدخرات وبطالة تخنق طموحات أكثر من نصف طاقات الشباب في مجتمعاتنا الفتية. وبينما تتصارع الأنظمة وتستنزف مواردها على رسم خطوط النفوذ فوق الخرائط تتسع طوابير الهجرة غير الشرعية وتتحول مياه البحر المتوسط إلى مقابر جماعية مفتوحة لشباب يفرون من جحيم العبث السياسي وفقدان الأمل إن النظام الإقليمي القائم لم يعد فقط غير صالح للاستخدام بل صار يمثل خطرا داهما على بقاء الدول نفسها. لقد صمم هذا النظام لإدارة الأزمات لا لحلها ولابتزاز الشعوب تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة تلك الشماعة التاريخية المريحة التي بُرر بها الفشل السياسي والاقتصادي وقمعت تحت مظلتها التطلعات المشروعة لعقود طويلة. اليوم تدرك الشعوب أنه لا يمكن الاستمرار في مقايضة رغيف الخبز والكرامة بصاروخ متطور أو طائرة مسيرة فالأنظمة التي تعجز عن حماية شعوبها من غائلة الفقر والجهل والمرض تعجز حتما عن حمايتها من الصواريخ والتدخلات الخارجية.
إن بناء هذا النظام الجديد المنشود لا يعني الانجرار وراء دعوات سلام رومانسية ساذجة بل هو تجسيد لعين البراغماتية السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. ولن ينهض هذا النظام إلا بإنهاء كارثة صراعات الوكالة بشكل جذري ووقف تحويل الدول الهشة إلى مسارح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية فالنار التي تشعل في فناء الجار ستصل حتما عاجلا أم آجلا إلى شرفة من أشعلها. يتطلب الأمر أيضا ترسيخ مفهوم متطور للأمن المترابط حيث يدرك الجميع أن أمن أي طرف لا ولن يتحقق عبر إضعاف أو سحق الطرف الآخر وأنه لا يمكن لدولة أن تنعم بالاستقرار كواحة منعزلة وسط محيط هائج من الفوضى والانهيار. ولكي يكتسب هذا النظام مناعته الحقيقية يجب أن ينتقل مركز الثقل من الاصطفافات الأيديولوجية والطائفية إلى تشابك المصالح الحيوية والاقتصادية. نحن بحاجة ماسة إلى شبكات طاقة ومياه مشتركة وتجارة بينية واستثمارات عابرة للحدود تجعل تكلفة التفكير في خيار الحرب باهظة ومدمرة للجميع. غير أن هذه الهندسة الاقتصادية والسياسية ستظل مبنية على رمال متحركة ما لم تقترن بإنهاء المظالم التاريخية المتراكمة. إن إدراك حقيقة أن أي استقرار إقليمي يتجاهل الحقوق المشروعة وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني الثابت في دولته المستقلة وكرامته الوطنية ليس سوى هدنة هشة ومؤقتة تبنى فوق فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة. إن كلفة أي جولة قتال قادمة في هذا الشرق الأوسط المنهك لن تُقاس بالخسائر الميدانية أو أعداد الضحايا فحسب، بل بالانهيار التام والشامل لما تبقى من تماسك مجتمعي ومؤسسي. لقد شبعت شعوب المنطقة من خطابات الصمود المصطنعة وملت لغة الاستعراض الجوفاء ولم يعد هناك أي معنى أو مبرر لتسطير بطولات وهمية تُبنى فوق جماجم الأبرياء وأنقاض المدن. لقد استنفدت الحروب غاياتها وأدواتها وصارت مجرد وسيلة للهروب للأمام من استحقاقات الداخل التنموية. السؤال المصيري اليوم لم يعد من يملك القدرة على إطلاق الطلقة الأولى بل من يملك شجاعة كسر هذه الدائرة الشيطانية وإعادة تعريف الأولويات لصالح بقاء الإنسان. المنطقة لم تعد تحتمل رصاصة أخرى فإما أن نتشارك الجغرافيا بنظام سياسي عادل وواقعي يضمن الحياة للجميع أو نتركها تحترق بالكامل حتى لا يجد أحدٌ فيها ما يحكمه.
